حمل المصحف بكل صيغه

//

الثانوية العامة ٣ثانوي. /عقوبة من قتل نفسه؟/ وصف الجنة والحور العين /المدونة التعليمبة الثانية أسماء صلاح ٣.ثانوي عام/ الفتن ونهاية العالم /المقحمات ا.قانون الحق الإلهي اا /القرانيون الفئة الضالة اوه /قواعد وثوابت قرانية / مسائل صحيح مسلم وشروح النووي الخاطئة عليها اوهو /المسائل الفقهية في النكاح والطلاق والمتعة والرجعة /مدونة الصفحات المقتوحة /الخوف من الله الواحد؟ /قانون ثبات سنة الله في الخلق /اللهم ارحم أبي وأمي والصالحين /السيرة النبوية /مدونة {استكمال} مدونة قانون الحق الإلهي /مدونة الحائرين /الجنة ومتاعها والنار وسوء جحيمها عياذا بالله الواحد. /لابثين فيها أحقابا /المدونة المفتوحة /نفحات من سورة الزمر /أُمَّاهُ عافاكِ الله ووالدي ورضي عنكما ورحمكما/ ترجمة معان القران /مصنفات اللغة العربية /كتاب الفتن علامات القيامة لابن كثير /قانون العدل الإلهي /الفهرست /جامعة المصاحف /قانون الحق الإلهي /تخريجات أحاديث الطلاق متنا وسندا /تعلم للتفوق بالثانوية العامة /مدونات لاشين /الرافضة /قانون الحق الألهي ٣ /قانون الحق الإلهي٤. /حدود التعاملات العقائدية بين المسلمين /المقحمات اا. /منصة الصلاة اا /مدونة تخفيف//

 حمل المصحف القرآن الكريم وورد word doc icon تحميل المصحف الشريف بصيغة pdf تحميل القرآن الكريم مكتوب بصيغة وورد تحميل سورة العاديات مكتوبة pdf 

تفسير المرسلات* جواهر القران لأبي حامد الغزالي *كتاب جواهر القرآن أبو حامد الغزالي

Translate

الثلاثاء، 22 ديسمبر 2020

مدوناتي اهو


  1. دوناتي
  2. الثانوية العامة 3ثانوي
  3. وصف الجنة والحور العين
  4. المدونة التعليمبة أسماء صلاح 3.ثانوي عام
  5. المقحمات ا.
  6. قانون الحق الإلهي اا
  7. مسائل صحيح مسلم وشروح النووي الخاطئة عليها
  8. مدونة الصفحات المقتوحة
  9. قانون ثبات سنة الله في الخلق
  10. اللهم ارحم أبي وأمي والصالحين
  11. السيرة النبوية
  12. مدونة {استكمال} مدونة قانون الحق الإلهي*
  13. wwwopenednotes
  14. المدونة المفتوحة
  15. أُمَّاهُ عافاكِ الله
  16. مصنفات اللغة العربية
  17. كتاب الفتن علامات القيامة لابن كثير
  18. قانون العدل الإلهي
  19. الفهرست
  20. قانون الحق الإلهي
  21. تخريجات أحاديث الطلاق متنا وسندا
  22. تعلم للتفوق بالثانوية العامة
  23. مدونات لاشين
  24. قانون الحق الألهي ااا
  25. المضبطة
  26. حدود التعاملات العقائدية بين المسلمين
  27. المقحمات اا.
  28. نوتة الصلاة اا

نبذة عن Search Console...

نبذة عن Search Console


إنّ Google Search Console خدمة مجانية تقدّمها Google لمساعدتك في مراقبة مستوى ظهور موقعك الإلكتروني ضمن نتائج "بحث Google" والمحافظة عليه وتحديد مشاكله وحلّها. لا يتعين عليك الاشتراك في Search Console لإدراج موقعك ضمن نتائج "بحث Google"، إلا أن Search Console تساعدك في فهم مستوى ظهور موقعك لمحرك البحث Google وتحسينه.

تقدِّم Search Console أدوات وتقارير لتنفيذ الإجراءات التالية:
التأكد من إمكانية عثور Google على موقعك والزحف إليه.
إصلاح مشاكل الفهرسة وطلب إعادة فهرسة المحتوى الجديد أو المُحدَّث.
عرض بيانات عدد الزيارات الواردة إلى موقعك من "بحث Google": عدد مرات ظهور موقعك في "بحث Google" وطلبات البحث التي أدت إلى عرض موقعك وعدد نقر الباحثين على موقعك نتيجة طلبات البحث هذه والمزيد.
تلقِّي تنبيهات عندما يواجه محرك البحث Google مشاكل في الفهرسة أو محتوى غير مرغوب فيه أو مشاكل أخرى على موقعك.
عرض المواقع التي تضم روابط تؤدي إلى موقعك.
تحديد مشاكل صفحات AMP وقابلية الاستخدام على الأجهزة الجوّالة وميزات "بحث Google" الأخرى وحلّها.
من الأشخاص الذين يُفترض أنْ يستخدموا Search Console؟

أي شخص لديه موقع إلكتروني. يمكن للجميع الاستفادة من Search Console، بما في ذلك المختصون وغير المختصين، والمستخدمون الجدد وكذلك المحترفون.
مالكو الأنشطة التجارية: يجب أنْ تكون على دراية بخدمة Search Console حتى وإنْ لم تكن تستخدمها بنفسك، لذا تعرَّف على أساسيات تحسين موقعك الإلكتروني في ما يخص محركات البحث وتعرَّف على الميزات المتاحة في "بحث Google".
متخصصو تحسين محركات البحث أو جهات التسويق: باعتبارك شخصًا يركز على التسويق على الإنترنت، يمكنك الاستفادة من Search Console في مراقبة حركة زيارات موقعك وتحسين ترتيبك واتخاذ قرارات مدروسة بشأن شكل ظهور نتائج البحث المتعلقة بموقعك. ويمكنك استخدام المعلومات المتوفِّرة في Search Console للتأثير في القرارات الفنية المتعلقة بالموقع وإجراء تحليل تسويقي متطوّر في ما يتعلق بأدوات Google الأخرى، مثل "إحصاءات Google" و"مؤشرات Google" و"إعلانات Google".
مشرفو الموقع الإلكتروني: إذا كنت مشرفًا لموقع، لا بدّ أنك مهتم بتشغيل موقعك بشكل سليم. توفّر Search Console سهولةً في مراقبة أخطاء الخادم ومشاكل تحميل الموقع ومشاكل الأمان، مثل الاختراق والبرامج الضارة، وتساعد في بعض الحالات على حلّها أيضًا. كما يمكنك استخدامها لضمان السلاسة في إجراء أي عملية صيانة أو عمليات ضبط متعلقة بأداء البحث.
مطوّرو برامج الويب: إذا كنت تعمل على إنشاء الترميز الفعلي و/أو رمز موقعك الإلكتروني، تساعدك خدمة Search Console في مراقبة المشاكل المتكررة المتعلقة بالترميز وحلّها، مثل الأخطاء في البيانات المنظَّمة.


المتطلبات المتعلقة بالمنتج



التالي: بدء استخدام Search Console
هل كان ذلك مفيدًا؟

الاثنين، 14 ديسمبر 2020

كتاب أربعة قواعد تدور الأحكام عليها

أربع قواعد تدور الأحكام عليها

ص -3- المجلد الثاني من قسم الفقه تأليف: شيخ الإسلام، محمد بن عبدالوهاب أربع قواعد تدور الأحكام عليها ويليها نبذة في اتباع النصوص مع احترام العلماء
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الشيخ محمد رحمه الله:
هذه أربع قواعد من قواعد الدين التي تدور الأحكام عليها 1 وهي من أعظم ما أنعم الله تعالى به على محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، حيث جعل دينهم دينا كاملا وافيا أكمل وأكثر علما من جميع الأديان، ومع ذلك جمعه لهم سبحانه وتعالى في ألفاظ قليلة 2 وهذا مما ينبغي التفطن له قبل معرفة القواعد الأربع، وهو أن تعلم قول النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر لنا ما خصه الله به على الرسل يريد منا أن نعرف نعمة الله 3 ونشكرها. قال لما ذكر الخصائص: "وأعطيت جوامع الكلم" 4 قال إمام الحجاز محمد بن شهاب الزهري: معناه أن الله يجمع له المعاني 5 الكثيرة في ألفاظ قليلة:
القاعدة الأولى: تحريم القول على الله بلا علم:
لقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ} 6 إلى قوله: {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} 7.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 وجدت -بهذا النص- ضمن مجموعة خطية في مكتبة الشيخ عبد العزيز بن صالح ابن مرشد, كما وجدت ضمن مجموعة في المكتبة السعودية برقم 86/ 89 مع اختلاف يسير لا يغير المعنى. ولفظ الأخير أقرب إلى لفظ "الدرر السنية".
2 نص الدرر "جمعه لهم سبحانه وتعالى في لفظ قليل".
3 نص الدرر "أن نعرف منة الله علينا".
4 البخاري: الجهاد والسير (2977) , ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (523) , والنسائي: الجهاد (3087 ,3089) , وأحمد (2/264 ,2/268 ,2/314 ,2/395 ,2/411 ,2/442 ,2/455 ,2/501).
5 في الدرر السنية ج 4 ص 3 ط - الثانية "أن يجمع الله له المسائل).
6 سورة الأعراف آية: 33.
7 سورة الأعراف آية: 33.



ص -4- القاعدة الثانية: أن كل شيء سكت عنه الشارع فهو عفو لا يحل لأحد أن يحرمه أو يوجبه أو يستحبه أو يكرهه:
لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} 1. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان، فلا تسألوا عنها".
القاعدة الثالثة: أن ترك الدليل الواضح والاستدلال بلفظ متشابه هو طريق أهل الزيغ كالرافضة والخوارج:
قال تعالى: {أَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} 2 والواجب على المسلم اتباع المحكم، وإن عرف معنى المتشابه وجده لا يخالف المحكم بل يوافقه، وإلا فالواجب عليه اتباع الراسخين في قولهم: {آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} 3.
القاعدة الرابعة: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر: "أن الحلال بيِّن والحرام بيِّن وبينهما أمور مشتبهات": 4
فمن لم يفطن لهذه القاعدة وأراد أن يتكلم على مسألة 5 بكلام فاصل فقد ضل وأضل. فهذه ثلاث 6 ذكرها الله في كتابه والرابعة ذكرها النبي 7 صلى الله عليه وسلم. واعلم رحمك الله أن أربع هذه الكلمات مع اختصارهن 8 يدور عليها الدين، سواء كان المتكلم يتكلم في علم التفسير أو في علم الأصول أو في علم أعمال القلوب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة المائدة آية: 101.
2 سورة آل عمران آية: 7.
3 سورة آل عمران آية: 7.
4 البخاري: البيوع (2051) , ومسلم: المساقاة (1599) , والترمذي: البيوع (1205) , والنسائي: البيوع (4453) والأشربة (5710) , وأبو داود: البيوع (3329) , وابن ماجه: الفتن (3984) , وأحمد (4/269 ,4/270) , والدارمي: البيوع (2531).
5 نص الدرر "على كل مسألة".
6 في الدرر "فهذه أربع قواعد ثلاث...".
7 في الدرر "رسول الله صلى الله عليه وسلم".
8 في الدرر "مع اختصارها".



ص -5- الذي يسمى علم السلوك أو في علم الحديث، أو في علم الحلال والحرام والأحكام الذي يسمى علم الفقه، أو في علم الوعد والوعيد، أو في غير ذلك من أنواع علوم الدين. وأنا أمثل لك مثلا تعرف به صحة ما قلته، وتحتذي عليه إن فهمته. وأمثل 1 لك في فن من فنون الدين وهو علم الفقة، وأجعله كله في باب واحد منه، وهو الباب الأول: "باب المياه".
فنقول: قال بعض أهل العلم: الماء كله طهور إلا ما تغير بنجاسة أو خرج عنه اسم الماء كماء ورد أو باقلا ونحوه. وقال آخرون: الماء ثلاثة أنواع: طهور، وطاهر، ونجس، والدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم" 2، فلولا أنه يفيد منعا لم ينه عنه، ودليله من النظر أنه لو وكله في شراء ماء فاشترى ماء مستعملا أو متغيرا بظاهر لم يلزمه قبوله، فدل على أنه لا يدخل في الماء المطلق.
قال الأولون: النبي صلى الله عليه وسلم "نهى أن يغتسل الرجل في الماء الدائم" 3، وإن عصى وفعل فالقول في الماء مسألة أخرى لا تعرض لها في الحديث لا بنفي ولا إثبات، وعدم قبول الموكل لا يدل، فلو اشترى له ماء من ماء البحر لم يلزمه قبوله; ولو اشترى له ماء متقذرا طهورا لم يلزمه قبوله، فانتقض ما قلتموه، فإن كنتم معترفين أن هذه الأدلة لا تفيدكم إلا الظن وقد ثبت أن "الظن أكذب الحديث" 4 فقد وقعتم في المحرم يقينا أصبتم أم أخطأتم لأنكم أفتيتم بظن مجرد، فإن قوله: {لَمْ تَجِدُوا مَاءً} 5 كلام عام من جوامع الكلم، فإن دخل فيه هذا خالفتم النص وإن لم يدخل فيه وسكت عنه الشارع فهو عفو

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 لفظ الدرر "وأمثله لك".
2 مسلم: الطهارة (283) , والنسائي: الطهارة (220) والغسل والتيمم (396) , وابن ماجه: الطهارة وسننها (605).
3 مسلم: الطهارة (283) , والنسائي: الطهارة (220) والغسل والتيمم (396) , وأبو داود: الطهارة (70) , وابن ماجه: الطهارة وسننها (605).
4 البخاري: النكاح (5144) والأدب (6066) , ومسلم: البر والصلة والآداب (2563) , والترمذي: البر والصلة (1988) , وأبو داود: الأدب (4917) , وأحمد (2/245 ,2/287 ,2/312 ,2/342 ,2/465 ,2/470 ,2/482 ,2/491 ,2/504 ,2/517 ,2/538) , ومالك: الجامع (1684).
5 سورة النساء آية: 43.



ص -6- لا يحل الكلام فيه; وعصيتم قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ} 1 الآية، وكذلك إذا تركتم 2 هذا اللفظ العام الجامع مع قوله صلى الله عليه وسلم: "الماء طهور لا ينجسه شيء" 3، وتركتم هذه الألفاظ الواضحة العامة، وزعمتم أن الماء ثلاثة أنواع بالأدلة التي ذكرتموها وقعتم في طريق أهل الزيغ في ترك المحكم واتباع المتشابه.
فإن قلتم لم يتبين لنا أنه طهور، وخفنا أن النهي يؤثر فيه، قلنا قد جعل الله لكم 4 مندوحة وهو الوقف وقول لا أدري وإلا ألحقوه 5 بمسألة المتشابهات، وإما الجزم بأن الشرع جعل هذا طاهرا في مطهر فقد وقعتم في البحث 6 عن المسكوت عنه، واتباع المتشابه وتركتم قوله: صلى الله عليه وسلم "وبينهما أمور مشتبهات" 7.
المسألة الثانية: قولهم إن الماء الكثير ينجسه البول والعذرة لنهيه عن البول فيه، فيقال لهم: الذي ذكر النهي عن البول فيه 8، وأما نجاسة الماء وطهارته فلم يتعرض لها، وتلك مسألة أخرى يستدل عليها بدليل آخر وهو قوله في الكلمة الجامعة 9فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً } وهذا ماء وقول

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة المائدة آية: 101.
2 في الدرر السنية ج 4 ص 70 "صرفتم".
3 الترمذي: الطهارة (66) , والنسائي: المياه (326) , وأبو داود: الطهارة (66) , وأحمد (3/15 ,3/31 ,3/86).
4 في الدرر "لنا منه".
5 في الدرر "لا ندري وألحق".
6 في الدرر "في القول بلا علم والبحث".
7 البخاري: الإيمان (52) , ومسلم: المساقاة (1599) , والترمذي: البيوع (1205) , والنسائي: البيوع (4453) والأشربة (5710) , وأبو داود: البيوع (3329) , وابن ماجه: الفتن (3984) , وأحمد (4/269 ,4/270 ,4/271) , والدارمي: البيوع (2531).
8 نص الدرر " عن البول فيه إذا كان راكدا".
9 نص الدرر: وهو قوله: "فلم تجدوا ماء".



ص -7- النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن بئر بضاعة - وهي بئر يلقى فيها الحيض وعذرة الناس -: "الماء طهور لا ينجسه شيء" 1.
فمن ترك هذا المحكم وأفتى بنجاسته معللا بنهيه عن البول فيه، قد ترك المحكم واتبع المتشابه، ووقع في القول بلا علم لأنه لا يجزم بأن النبي صلى الله عليه وسلم أراد نجاسة الماء لما نهى عن البول فيه، وإنما غاية ما عنده الظن. فإن قدرنا أن هذا لا يدخل في العموم الذي ذكرنا وتكلم فيه بالقياس فقد خالف قوله: {لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ} 2 وإن يعلل بقوله: لا يبين لي دخوله في العموم، وأخاف لأجل النهي عن نجاسته، قيل: لك مندوحة عن القول بلا علم; وهو إلحاقه بالمتشابهات، ولا تزعم أن الله شرع نجاسته وحرم شربه.
ومن ذلك فضل طهور المرأة زعم بعضهم أنه لا يرفع الحدث، وولد عليها 3 من المسائل ما يشغل الإنسان ويعذب الحيوان; وقال كثير من أهل العلم أو أكثرهم: إنه مطهر رافع، فإن لم يصح الحديث فيه فلا كلام كما ذكر البخاري وغيره، وإن قلنا بصحة الحديث فنقول في صحيح مسلم حديث أصح منه أن النبي صلى الله عليه وسلم "توضأ واغتسل بفضل ميمونة" 4، وهو داخل في قوله: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} 5 قطعا، وداخل في قوله: "الماء طهور لا ينجسه شيء" 6. وإنما نهى الرجال عن استعماله نهي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الترمذي: الطهارة (66) , والنسائي: المياه (326) , وأبو داود: الطهارة (66) , وأحمد (3/15 ,3/31 ,3/86).
2 سورة المائدة آية: 101.
3 في الدرر "وولدوا عليه".
4 مسلم: الحيض (323) , وأحمد (1/366).
5 سورة النساء آية: 43.
6 الترمذي: الطهارة (66) , والنسائي: المياه (326) , وأبو داود: الطهارة (66) , وأحمد (3/15 ,3/31 ,3/86).



ص -8- تنزيه وتأديب إذا قدر 1 للأدلة القاطعة التي ذكرنا، فإذا قال من منع استعماله 2: أخاف إن النهي إذا سلمتم صحته يفسد الوضوء، قلنا: إذا خفت ذلك فألحقه بالمتشابهات، ولا تقل على الله بلا علم وتولد 3 مسائل كثيرة سكت الشارع عنها في صفة الخلوة وغيرها.
ومن ذلك الماء الذي دون القلتين إذا وقعت فيه نجاسة، فكثير من أهل العلم أو أكثرهم على أنه طهور داخل في تلك القاعدة الجامعة {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} 4، وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الماء إذا وقعت فيه نجاسة فقال: "الماء طهور لا ينجسه شيء" 5، لكن حمله آخرون على الكثير لقوله: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث" 6 قال الأولون: إن سلكنا في الحديث مسلك من قدح فيه من أهل الحديث فلا كلام، ولكن نتكلم فيه على تقدير ثبوته ونحن نقول بثبوته لكن لا يدل على ما قلتموه، ومن زعم أنه يدل على أن القليل 7 ينجس فقد قال ما لا يعلم قطعا لأن اللفظ صرح أنه إن كثر لم يحمل 8 الخبث ولم يتكلم فيما دون فيحتمل أنه ينجس كما ذكرنا 9، ويحتمل أنه أراد إن كان دونهما فقد يحمل وقد لا يحمل، فإذا لم تقطع على

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في الدرر السنية (ص) 71 زيادة "على غيره".
2 في الدرر " من منع من..".
3 في الدرر "ولا تولد".
4 سورة النساء آية: 43.
5 الترمذي: الطهارة (66) , والنسائي: المياه (326) , وأبو داود: الطهارة (66) , وأحمد (3/15 ,3/31 ,3/86).
6 الترمذي: الطهارة (67) , والنسائي: الطهارة (52) , وأبو داود: الطهارة (63) , وأحمد (2/12 ,2/38) , والدارمي: الطهارة (732).
7 نص الدرر "زعم أن القليل".
8 نص الدرر "لا يحمل".
9 نص الدرر "ينجس على ما ذكرتم".



ص -9- مراده بالتحديد فقد حرم الله القول عليه بلا علم، وإن زعمتم أن أدلتنا لا تشمل هذا فهو باطل; فإنها عامة، وعلى تقدير ذلك يكون من المسكوت عنه الذي نهينا عن البحث فيه. فلو أنكم قلتم كما 1 قال من كرهه من العلماء: أكرهه أو لا أستحبه مع وجود غيره ونحو هذه العبارة التي يقولها من شك في نجاسته ولم يجزم بأن حكم الشرع نجاسة هذا، فقد أصبتم 2 وعملتم بقول نبيكم صلى الله عليه وسلم: "وبينهما أمور مشتبهات" 3 سواء كان في نفس الأمر طاهرا أم لا. فإن من شك في شيء وتورع عنه فقد أصاب ولو تبين بعد ذلك أنه حلال. وعلى كل حال فمن زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله ليبين للناس ما نزل إليهم أراد أن يشرع لأمته أن كل ماء دون القلتين بقلال هجر إذا لاقى شيئا نجسا أنه ينجسه 4 ويصير شربه حراما، ولا تقبل صلاة من توضأ به ولا من باشره شيء منه حتى يغسله ولم يبين ذلك لهم حتى أتاه رجل 5 يسأله عن الماء بالفلاة ترده السباع التي تأكل الميتات ويسيل فيه من ريقها ولعابها فأجابه بقوله: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث" 6 وأراد بهذا اللفظ أن يبين لأمته أن الماء 7 إذا بلغ خمسمائة رطل بالعراقي لا ينجس إلا بالتغيير، وما نقص ينجس بالملاقاة، وصار كما وصفنا؛ فمن زعم ذلك فقد أبعد النجعة، وقال ما لا يعلم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 نص الدرر "عن البحث عنه فلو أنكم قلتم كمن".
2 في الدرر "هذا الماء كنتم قد أصبتم".
3 نص الدرر "بقول نبيكم صلى الله عليه وسلم سواء..".
4 نص الدرر "يتنجس". "ولا تقبل".
5 في الدرر "أعرابي يسأل".
6 الترمذي: الطهارة (67) , والنسائي: الطهارة (52) , وأبو داود: الطهارة (63) , وأحمد (2/12 ,2/38) , والدارمي: الطهارة (732).
7 في الدرر "أنه".



ص -10- وتكلم فيما سُكت عنه، واتبع المتشابه وجعل المتشابه من الحرام البين، ونسأل الله أن يوفقنا وإخواننا المسلمين لما يحب ويرضى، ويعلمنا الكتاب والحكمة، ويرينا الحق حقا ويوفقنا لاتباعه; ويرينا الباطل باطلا ويوفقنا لاجتنابه، ولا يجعله ملتبسا علينا فنضل.
وهذه القواعد تدخل في جميع أنواع العلوم الدينية عامة وفي علم الفقه من كتاب الطهارة إلى باب الإقرار خاصة. والله أعلم. أنهاه بقلمه الفقير إلى الله: عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الوهاب نقلا من خط حسين بن حسن ابن حسين بن المصنف رحمة الله عليَّ ووالديّ وعليه ووالديه ولمن دعا لهم والمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات آمين ثم آمين ثم آمين، وصلى الله على محمد وإخوانه من الأنبياء والمرسلين وآله وصحبه وسلم.
وقال أيضا 1: ومن أعظم ما منّ الله به عليه صلى الله عليه وسلم وعلى أمته إعطاء جوامع الكلم، فيذكر الله تعالى في كتابه كلمة واحدة تكون قاعدة جامعة يدخل تحتها من المسائل ما لا يحصر، وكذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد خصه الله بالحكمة الجامعة، ومن فهم هذه المسألة فهما جيدا فهم قول الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} 2. وهذه الكلمة أيضا من جوامع الكلم إذ الكامل لا يحتاج إلى زيادة، فعلم منه بطلان كل محدث بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، كما أوصانا به في قوله: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، وإياكم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أي الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله.
2 سورة المائدة آية: 3.



ص -11- ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار" 1 وتفهّم أيضا معنى قوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} 2.
فإذا كان الله سبحانه قد أوجب علينا أن نرد ما تنازعنا فيه إلى الله أي إلى كتاب الله، وإلى الرسول صلى الله عليه وسلم أي إلى سنته، علمنا قطعا أن من رد إلى الكتاب والسنة ما نازع الناس فيه وجد فيهما ما يفصل النزاع.
وقال أيضا: إذا اختلف كلام أحمد وكلام الأصحاب فنقول في محل النزاع: التراد إلى الله وإلى رسوله لا إلى كلام أحمد ولا إلى كلام الأصحاب، ولا إلى الراجح من ذلك; بل قد يكون الراجح والمرجح من الروايتين والقولين خطأ قطعا، وقد يكون صوابا، وقولك إذا استدل كل منهما بدليل فالأدلة الصحيحة لا تتناقض، بل الصواب يصدق بعضه بعضا، لكن قد يكون أحدهما أخطأ في الدليل إما يستدل بحديث لم يصح، وإما فهم من كلمة صحيحة مفهوما مخطئا. وبالجملة فمتى رأيت الاختلاف فرده إلى الله والرسول، فإذا تبين لك الحق فاتبعه; فإن لم يتبين لك واحتجت إلى العمل فخذ بقول من تثق بعلمه ودينه.
وأما قول من قال: لا إنكار في مسائل الاجتهاد، فجوابها يعلم من القاعدة المتقدمة، فإن أراد القائل مسائل الخلاف فهذا باطل يخالف إجماع الأمة، فما زال الصحابة ومن بعدهم ينكرون على من خالف وأخطأ كائنا من كان، ولو كان أعلم الناس وأتقاهم. وإذا كان الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق وأمرنا باتباعه وترك ما خالفه، فمن تمام ذلك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أبو داود: السنة (5687) , والدارمي: المقدمة (95).
2 سورة النساء آية: 59.



ص -12- أن من خالفه من العلماء مخطئ يُنَبَّه على خطئه، وينكر عليه; وإن أريدَ بمسائل الاجتهاد مسائل الخلاف التي لم يتبين فيها الصواب، فهذا كلام صحيح لا يجوز للإنسان أن ينكر الشيء لكونه مخالفا لمذهبه أو لعادة الناس، فكما لا يجوز للإنسان أن يأمر إلا بعلم، لا يجوز أن ينكر إلا بعلم، وهذا كله داخل في قوله تعالى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} 1.
وأما قول من قال اتفاق العلماء حجة فليس المراد الأئمة الأربعة بل إجماع الأمة كلهم، وهم علماء الأمة، وأما قولهم اختلافهم رحمة، فهذا باطل بل الرحمة في الجماعة، والفرقة عذاب كما قال تعالى: {وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} 2. ولما "سمع عمر ابن مسعود وأبيا اختلفا في صلاة الرجل في الثوب الواحد، صعد المنبر وقال: اثنان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فعن أي فتياكم يصدر المسلمون لا أجد اثنين اختلفا بعد مقامي هذا إلا فعلت وفعلت". لكن قد روي عن بعض التابعين أنه قال: "ما أحسب اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا رحمة للناس لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة" ومراده شيء آخر غير ما نحن فيه، ومع هذا فهو قول مستدرك، لأن الصحابة ذكروا اختلافهم عقوبة وفتنة.
وقال أيضا: قد تبين لكم في غير موضع أن دين الإسلام حق بين باطلين وهدى بين ضلالتين، وهذه المسائل 3 وأشباهها مما يقع الخلاف

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة الإسراء آية: 36.
2 سورة هود آية: 118-119.
3 يشير إلى مسائل في الزكاة ذكرت في مواضعها من كتابي "الدرر السنية ومجموعة الرسائل والمسائل النجدية" كما ذكرت في المجلد الخاص بالمسائل من هذه المجموعة.



ص -13- فيه بين السلف والخلف من غير نكير من بعضهم على بعض، فإذا رأيتم من يعمل ببعض هذه الأقوال المذكورة بالمنع، مع كونه قد اتقى الله ما استطاع لم يحل لأحد الإنكار عليه، اللهم إلا أن يتبين الحق فلا يحل لأحد أن يتركه لقول أحد من الناس، وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يختلفون في بعض المسائل من غير نكير، ما لم يتبين النص.
فينبغي للمؤمن أن يجعل همه وقصده معرفة أمر الله ورسوله في مسائل الخلاف والعمل بذلك، ويحترم أهل العلم ويوقرهم ولو أخطؤوا لكن لا يتخذهم أربابا من دون الله، هذا طريق المنعم عليهم وأما اطراح كلامهم وعدم توقيرهم فهو طريق المغضوب عليهم. واتخاذهم أربابا من دون الله وإذا قيل: قال الله قال رسول الله قال: هم أعلم منا بهذا، هو طريق الضالين. ومن أهم ما على العبد وأنفع ما يكون له معرفة قواعد الدين على التفصيل، فإن أكثر الناس يفهم القواعد ويقر بها على الإجمال، وَيَدَعُها عند التفصيل.
وقال أيضا: اختلفوا في الكتاب وهل يجب تعلمه واتباعه على المتأخرين لإمكانه، أم لا يجوز للمتأخرين لعدم إمكانه؟
فحكم الكتاب بينهم بقوله تعالى: {وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْراً} 1 الآية، وقوله: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً} 2 وقوله: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} 3.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 سورة طه آية: 99-100.
2 سورة طه آية: 124.
3 سورة الزخرف آية: 36.



ص -14- وسئل عن قول الشيخ تقي الدين. ولتكن همته فهم مقاصد الرسول، في أمره ونهيه، ما صورته؟
فأجاب: مراده ما شاع وذاع أن الفقه عندهم هو الاشتغال بكتاب فلان وفلان، فمراده التحذير من ذلك.
وقال أيضا: كذلك غيركم إنما اتباعه لبعض المتأخرين لا الأئمة، فهؤلاء الحنابلة من أقل الناس بدعة، وأكثر الإقناع والمنتهى مخالف لمذهب أحمد ونصه، فضلا عن نص رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعرف ذلك من عرفه.
وقال أيضا: ذكر الشيخ تقي الدين رحمه الله قواعد الأولى: أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا سن أمرين وأراد أحد يأخذ بأحدهما ويترك الآخر، أنه لا ينكر عليه كالقراءات الثابتة، ومثل الذين اختلفوا في آية فقال أحدهما: ألم يقل الله كذا، وقال الآخر: ألم يقل الله كذا؟ وأنكر النبي صلى الله عليه وسلم عليهم وقال: "كل منكما محسن" فأنكر الاختلاف وصوب الجميع في الآية.
الثانية إذا أمّ رجل قوما وهم يرون القنوت أو يرون الجهر بالبسملة وهو يرى غير ذلك والأفضل ما رأى، فموافقتهم أحسن ويصير المفضول هو الفاضل 1.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الشيخ عبد الرحمن بن قاسم "الدرر السنية في الأجوبة النجدية" جزء 4 ط الثانية ص 4 , 5 , 6. ومن قوله: وقال أيضا: "قد تبين لكم" إلى قوله: "ويدعها عند التفصيل" ورد أيضا في مجموعة الرسائل والمسائل النجدية" جزء 1 ط الأولى ص 11 , 12 غير أنه استهله بقوله: "إذا فهمتم ذلك فقد تبين لكم... إلخ" وهو رحمه الله يشير إلى جوابه على مسائل متفرقة في الزكاة - وختمه بقوله: والله أعلم. كتبه محمد بن عبد الوهاب وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم, ومن خط من نقله من خط الشيخ محمد نقلت وذلك آخر سنة 1343.













كتاب آداب الفتوى والمفتي والمستفتي اصول فقه







































آداب الفتوى والمفتي والمستفتي

آدَابُ الفَتْوَى والمفتي والمستفتي
اعْلَم أَن هَذَا البابَ مهمٌّ جدًّا فأحببتُ تَقْدِيمه لعمومِ الْحَاجة إِلَيْهِ وَقد صنَّف فِي هَذَا جمَاعَة من أَصْحَابنَا مِنْهُم أَبُو الْقَاسِم الصَّيْمَرِيّ شيخ صَاحب الْحَاوِي ثمَّ الْخَطِيب أَبُو بكر الْحَافِظ الْبَغْدَادِيّ ثمَّ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو ابْن الصّلاح وكل مِنْهُم ذكرَ نفائس لم يذكرهَا الْآخرَانِ وَقد طالعت كتب الثَّلَاثَة ولخصت مِنْهَا جملَة مختصرة مستوعبة لكل مَا ذَكرُوهُ من المهم وضممت إِلَيْهَا نفائس من متفرقات كَلَام الْأَصْحَاب وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
مُقَدّمَة فِي أهمية الْإِفْتَاء وَعظم خطره وفضله

اعْلَم أَن الْإِفْتَاء عَظِيم الْخطر كَبِير الْموقع كثير الْفضل لِأَن الْمُفْتِي وَارِث الْأَنْبِيَاء صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم وقائم بِفَرْض الْكِفَايَة لكنه معرض للخطأ

(1/13)


وَلِهَذَا قَالُوا الْمُفْتِي موقع عَن الله تَعَالَى
وروينا عَن ابْن المُنكدر قَالَ الْعَالم بَين الله تَعَالَى وخلقه فَلْينْظر كَيفَ يدْخل بَينهم
وروينا عَن السّلف وفضلاء الْخلف من التَّوَقُّف عَن الْفتيا أَشْيَاء كَثِيرَة مَعْرُوفَة نذْكر مِنْهَا أحرفاً تبركاً
وروينا عَن عبد الرَّحْمَن ابْن أبي ليلى قَالَ أدركتُ عشْرين ومئة من الْأَنْصَار من أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُسأل أحدهم عَن الْمَسْأَلَة فيردها هَذَا إِلَى هَذَا وَهَذَا إِلَى هَذَا حَتَّى ترجع إِلَى الأول
وَفِي رِوَايَة مَا مِنْهُم من يحدث بِحَدِيث إِلَّا ود أَن أَخَاهُ كَفاهُ إِيَّاه وَلَا يستفتى عَن شَيْء إِلَّا ود أَن أَخَاهُ كَفاهُ الْفتيا
وَعَن ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُم مَنْ أفتى فِي كلِّ مَا يسْأَل فَهُوَ مَجْنُون

(1/14)


وَعَن الشّعبِيّ وَالْحسن وَأبي حَصِين بِفَتْح الْحَاء التابعيين قَالُوا إِن أحدَكَم ليفتي فِي الْمَسْأَلَة وَلَو وَرَدَتْ على عُمَر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ لجمع لَهَا أهل بدر
وَعَن عَطاء بن السَّائِب التَّابِعِيّ أدركتُ أَقْوَامًا يسْأَل أحدهم عَن الشَّيْء فيتكلم وَهُوَ يرعد
وَعَن ابْن عَبَّاس وَمُحَمّد بن عجلَان إِذا أغفل الْعَالم لَا أَدْرِي أُصِيبت مقاتله
وَعَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَسَحْنُون أجسر النَّاس على الْفتيا أقلهم علما
وَعَن الشَّافِعِي وَقد سُئِلَ عَن مسألةٍ فَلم يجب فَقيل لَهُ فَقَالَ حَتَّى أَدْرِي أَن الْفضل فِي السُّكُوت أَو فِي الْجَواب
وَعَن الْأَثْرَم سمعتُ أَحْمد بن حَنْبَل يكثر أَن يَقُول لَا أَدْرِي وَذَلِكَ فِيمَا عرف الْأَقَاوِيل فِيهِ

(1/15)


وَعَن الْهَيْثَم بن جميل شَهِدْتُ مَالِكًا سُئِلَ عَن ثَمَان وَأَرْبَعين مَسْأَلَة فَقَالَ فِي ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ مِنْهَا لَا أَدْرِي
وَعَن مَالك أَيْضا أَنه رُبمَا كَانَ يسْأَل عَن خمسين مَسْأَلَة فَلَا يُجيب فِي وَاحِدَة مِنْهَا وَكَانَ يَقُول من أجَاب فِي مَسْأَلَة فَيَنْبَغِي قبل الْجَواب أَن يعرض نَفسه على الْجنَّة وَالنَّار وَكَيف خلاصه ثمَّ يُجيب
وَسُئِلَ عَن مَسْأَلَة فَقَالَ لَا أَدْرِي فَقيل هِيَ مَسْأَلَة خَفِيفَة سهلة فَغَضب وَقَالَ لَيْسَ فِي الْعلم شَيْء خَفِيف
وَقَالَ الشَّافِعِي مَا رأيتُ أحدا جمع الله تَعَالَى فِيهِ من آلَة الْفتيا مَا جمع فِي ابْن عُيَيْنَة أسكت مِنْهُ على الْفتيا
وَقَالَ أَبُو حنيفَة لَوْلَا الفَرَقُ من الله تَعَالَى أَن يضيع الْعلم مَا أفتيتُ يكون لَهُم المهنأ وَعلي الْوزر
وأقوالهم فِي هَذَا كَثِيرَة مَعْرُوفَة

(1/16)


قَالَ الصَّيْمَرِيّ والخطيب وَقل من حرص على الْفتيا وسابق إِلَيْهَا وثابر عَلَيْهَا إِلَّا قلَّ توفيقُه واضطرب فِي أمره وَإِن كَانَ كَارِهًا لذَلِك غير موثر لَهُ مَا وجد عَنهُ مندوحة وأحال الْأَمر فِيهِ على غَيره كَانَت المعونة لَهُ من الله أَكثر وَالصَّلَاح فِي جَوَابه أغلب
واستَدَلاَّ بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الحَدِيث الصَّحِيح لَا تسْأَل الْإِمَارَة فَإنَّك إِن أعطيتهَا عَن مَسْأَلَة أَو كلت إِلَيْهَا وَإِن أعطتها عَن غير مَسْأَلَة أُعِنتَ عَلَيْهَا
















2.

















































[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]





آداب الفتوى والمفتي والمستفتي

فصل فِي معرفَة من يصلح للْفَتْوَى

قَالَ الْخَطِيب يَنْبَغِي للْإِمَام أَن يتصفح أَحْوَال الْمُفْتِينَ فمَنْ صَلحَ للفتيا أقرَّه وَمن لَا يصلح مَنعه وَنَهَاهُ أَن يعود وتواعده بالعقوبة إِن عَاد وَطَرِيق

(1/17)


الإِمَام إِلَى معرفَة من يصلح الْفتيا أَن يسْأَل عُلَمَاء وقته ويعتمد أَخْبَار الموثوق بهم
ثمَّ روى بِإِسْنَادِهِ عَن مَالك رَحمَه الله قَالَ مَا أفتيتُ حَتَّى شهد لي سَبْعُونَ أَنِّي أهل لذَلِك
وَفِي رِوَايَة مَا أَفْتيت حَتَّى سألتُ من هُوَ أعلم مني هَل يراني موضعا لذَلِك
قَالَ مَالك وَلَا يَنْبَغِي لرجل أَن يرى نَفسه أَهلا لشَيْء حَتَّى يسْأَل من هُوَ أعلم مِنْهُ
فصل فِي وجوب ورع الْمُفْتِي وديانته

قَالُوا وَيَنْبَغِي أَن يكون الْمُفْتِي ظَاهر الْوَرع مَشْهُورا بالديانة الظَّاهِرَة والصيانة الباهرة
وَكَانَ مَالك رَحمَه الله يعْمل بِمَا لَا يلْزمه النَّاس

(1/18)


وَيَقُول لَا يكون عَالما حَتَّى يعْمل فِي خاصَّةِ نَفسه بِمَا لَا يلْزمه النَّاس مِمَّا لَو تَركه لم يَأْثَم وَكَانَ يَحْكِي نَحوه عَن شَيْخه ربيعَة
فصل فِي شُرُوط الْمُفْتِي

شَرط الْمُفْتِي كَونه مُكَلّفا مُسلما ثِقَة مَأْمُونا متنزِّهاً عَن أَسبَاب الْفسق وخوارم الْمُرُوءَة فقيهَ النَّفس سليمَ الذِّهْن رصينَ الفِكر صَحِيح التَّصَرُّف والاستنباط متيقظاً سواءٌ فِيهِ الحرُّ وَالْعَبْد وَالْمَرْأَة وَالْأَعْمَى والأخرس إِذا كتب أَو فهمت إِشَارَته
قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو ابْن الصّلاح وَيَنْبَغِي أَن يكون كالراوي فِي أَنه لَا يُؤثر فِيهِ قرَابَة وعداوة وجرّ نفع وَدفع ضرّ لِأَن الْمُفْتِي فِي حكم مخبرٌ عَن الشَّرْع بِمَا لَا اخْتِصَاص لَهُ بشخص فَكَانَ كالراوي لَا كالشاهد

(1/19)


وفتواه لَا يرتبط بهَا إِلْزَام بِخِلَاف حكم القَاضِي
قَالَ وَذكر صَاحب الْحَاوِي أَن الْمُفْتِي إِذا نابذ فِي فتواه شخصا معينا صَار خصما حكما معانداً فتُردُّ فتواه على من عَادَاهُ كَمَا ترد شَهَادَته عَلَيْهِ
وَاتَّفَقُوا على أَن الْفَاسِق لَا تصح فتواه وَنقل الْخَطِيب فِيهِ إِجْمَاع الْمُسلمين
وَيجب عَلَيْهِ إِذا وَقعت لَهُ وَاقعَة أَن يعْمل بِاجْتِهَاد نَفسه وَأما المستور وَهُوَ الَّذِي ظَاهره الْعَدَالَة وَلم تختبر عَدَالَته بَاطِنا فَفِيهِ وَجْهَان
أصَحهمَا جَوَاز فتواه لأنَّ الْعَدَالَة الْبَاطِنَة يعسر مَعْرفَتهَا على غير الْقُضَاة
وَالثَّانِي لَا يجوز كَالشَّهَادَةِ وَالْخلاف كالخلاف فِي صِحَة النِّكَاح بِحُضُور المستورين

(1/20)


قَالَ الصَّيْمَرِيّ وَتَصِح فَتَاوَى أهل الْأَهْوَاء والخوارج وَمن لَا نكفره ببدعته وَلَا نفسقه
وَنقل الْخَطِيب هَذَا ثمَّ قَالَ وَأما الشراة والرافضة الَّذين يسبون السّلف الصَّالح ففتاويهم مَرْدُودَة وأقوالهم سَاقِطَة
وَالْقَاضِي الْمَاوَرْدِيّ كَغَيْرِهِ فِي جَوَاز الْفتيا بِلَا كَرَاهَة هَذَا هُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور من مَذْهَبنَا
قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو ابْن الصّلاح وَرَأَيْت فِي بعض تعاليق الشَّيْخ أبي حَامِد الأسفراييني أنَّ لَهُ الْفَتْوَى فِي الْعِبَادَات وَمَا لَا يتَعَلَّق بِالْقضَاءِ وَفِي الْقَضَاء وَجْهَان لِأَصْحَابِنَا
أَحدهمَا الْجَوَاز لِأَنَّهُ أهل
وَالثَّانِي لَا لِأَنَّهُ مَوضِع تُهْمَة
وَقَالَ ابْن الْمُنْذر تكره للقضاة الْفَتْوَى فِي

(1/21)


مسَائِل الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة
وَقَالَ شُرَيْح أَنا أَقْْضِي وَلَا أُفْتِي
















3.

















































[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]





آداب الفتوى والمفتي والمستفتي

فصل فِي أَقسَام الْمُفْتِينَ

قَالَ أَبُو عَمْرو ابْن الصّلاح الْمفْتُون قِسْمَانِ مُسْتَقل وَغَيره
فالمستقل شرطُه مَعَ مَا ذكرنَا أَن يكون قيمًا بِمَعْرِِفَة أَدِلَّة الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة من الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس وَمَا الْتحق بهَا على التَّفْصِيل وَقد فُصِّلَت فِي كتب الْفِقْه فتيسرت وَللَّه الْحَمد وَأَن يكون عَالما بِمَا يشْتَرط فِي الْأَدِلَّة ووجوه دلالتها وبكيفية

(1/22)


اقتباس الْأَحْكَام مِنْهَا وَهَذَا يُسْتَفَاد من أصُول الْفِقْه عَارِفًا من عُلُوم الْقُرْآن والْحَدِيث والناسخ والمنسوخ والنحو واللغة والتصريف وَاخْتِلَاف الْعلمَاء واتفاقهم بِالْقدرِ الَّذِي يتَمَكَّن مَعَه من الْوَفَاء بِشُرُوط الْأَدِلَّة والاقتباس مِنْهَا ذَا دربة وارتياض فِي اسْتِعْمَال ذَلِك عَالما بالفقه ضابطاً لأمهات مسَائِله وتفاريعه فَمن جمع هَذِه الْأَوْصَاف فَهُوَ الْمُفْتِي الْمُطلق المستقل الَّذِي يتَأَذَّى بِهِ فرض الْكِفَايَة وَهُوَ الْمُجْتَهد الْمُطلق المستقل لِأَنَّهُ يسْتَقلّ بالأدلة بِغَيْر تَقْلِيد وتقيد بِمذهب أحد
قَالَ أَبُو عَمْرو وَمَا شرطناه من حفظه لمسائل الْفِقْه لم يشْتَرط فِي كثير من الْكتب الْمَشْهُورَة لكَونه لَيْسَ شرطا لمنصب الِاجْتِهَاد لِأَن الْفِقْه ثَمَرَته فَيتَأَخَّر عَنهُ وَشرط الشَّيْء لَا يتَأَخَّر عَنهُ وشَرَطَه الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق الإِسْفِرَايِينِيّ وَصَاحبه أَبُو مَنْصُور الْبَغْدَادِيّ وَغَيرهمَا واشتراطه فِي الْمُفْتِي الَّذِي يتَأَدَّى بِهِ فرض الْكِفَايَة هُوَ الصَّحِيح وَإِن لم يكن كَذَلِك فِي الْمُجْتَهد المستقل

(1/23)


ثمَّ لَا يشْتَرط أَن تكون جَمِيع الْأَحْكَام على ذهنه بل يَكْفِيهِ كَونه حَافِظًا الْمُعظم مُتَمَكنًا من إِدْرَاك الْبَاقِي على قرب
وَهل يشْتَرط أَن يعرف من الْحساب مَا يصحح بِهِ الْمسَائِل الحسابية الْفِقْهِيَّة
حكى أَبُو إِسْحَاق وَأَبُو مَنْصُور فِيهِ خلافًا لِأَصْحَابِنَا وَالأَصَح اشْتِرَاطه
ثمَّ إِنَّمَا يشْتَرط اجْتِمَاع الْعُلُوم الْمَذْكُورَة فِي مُفتٍ مُطلق فِي جَمِيع أَبْوَاب الشَّرْع فَأَما مُفتٍ فِي بَاب خَاص كالمناسك والفرائض فيكفيه معرفَة ذَلِك الْبَاب كَذَا قَطَعَ بِهِ الْغَزالِيّ وَصَاحبه ابْن بَرهان بِفَتْح الْبَاء وَغَيرهمَا وَمِنْهُم من مَنعه مُطلقًا وَأَجَازَهُ ابْن الصّباغ فِي الْفَرَائِض خَاصَّة والأصحُّ جَوَازه مُطلقًا
الْقسم الثَّانِي الْمُفْتِي الَّذِي لَيْسَ بمستقل وَمن

(1/24)


دهر طَوِيل عُدِم الْمُفْتِي المستقل وصَارت الْفَتْوَى إِلَى المنتسبين إِلَى أَئِمَّة الْمذَاهب المتبوعة وللمفتي المنتسب أَرْبَعَة أَحْوَال
أَحدهَا أَن لَا يكون مُقَلدًا لإمامه لَا فِي الْمَذْهَب وَلَا فِي دَلِيله لاتصافه بِصفة المستقل وَإِنَّمَا ينْسب إِلَيْهِ لسلوكه طَرِيقه فِي الِاجْتِهَاد
وَادّعى الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق الأسفراييني هَذِه الصّفة لِأَصْحَابِنَا فحَكَى عَن أَصْحَاب مَالك رَحمَه الله وَأحمد وَدَاوُد وَأكْثر الْحَنَفِيَّة أَنهم صَارُوا إِلَى مَذَاهِب أئمتهم تقليداً لَهُم ثمَّ قَالَ وَالصَّحِيح الَّذِي ذهب إِلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ مَا ذهب إِلَيْهِ أَصْحَابنَا وَهُوَ أَنهم صَارُوا إِلَى مَذْهَب الشَّافِعِي لَا تقليداً لَهُ بل لما وجدوا طرقه فِي الِاجْتِهَاد والفتاوى أَسد الطّرق وَلم يكن لَهُم بُد من الِاجْتِهَاد سلكوا طَرِيقه فطلبوا معرفَة الْأَحْكَام بطرِيق الشَّافِعِي

(1/25)


وَذكر أَبُو عَليّ السنجي بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة نَحْو هَذَا فَقَالَ اتَّبعنَا الشَّافِعِي دون غَيره لأَنا وجدنَا قَوْله أرجح الْأَقْوَال وأعدلها لَا أَنا قلدناه
قلتُ هَذَا الَّذِي ذكرَاهُ مُوَافق لما أَمرهم بِهِ الشَّافِعِي ثمَّ الْمُزنِيّ فِي أول مُخْتَصره وَغَيره بقوله مَعَ إعلامية نَهْيه عَن تَقْلِيده وتقليد غَيره
قَالَ أَبُو عَمرو دَعْوَى انْتِفَاء التَّقْلِيد عَنْهُم مُطلقًا لَا يَسْتَقِيم وَلَا يلائم الْمَعْلُوم من حَالهم أَو حَال أَكْثَرهم وحَكَى بعض أَصْحَاب الْأُصُول مِنَّا أَنه لم يُوجد بعد عصر الشَّافِعِي مجتهدٌ مُسْتَقل
ثمَّ فَتْوَى الْمُفْتِي فِي هَذِه الْحَالة كفتوى المستقل فِي الْعَمَل بهَا والاعتداد بهَا فِي الْإِجْمَاع وَالْخلاف
الْحَالة الثَّانِيَة أَن يكون مُجْتَهدا مقيَّداً فِي مَذْهَب إِمَامه مُسْتقِلّا بتقرير أُصُوله بِالدَّلِيلِ غير أَنه لَا يتَجَاوَز فِي أدلته أصُول إِمَامه وقواعده

(1/26)


وَشَرطه كَونه عَالما بالفقه وأصوله وأدلة الْأَحْكَام تَفْصِيلًا بَصيرًا بمسالك الأقيسة والمعاني تَامّ الارتياض فِي التَّخْرِيج والاستنباط قيمًا بإلحاق مَا لَيْسَ مَنْصُوصا عَلَيْهِ لإمامه بأصوله وَلَا يعرى عَن شوب تَقْلِيد لَهُ لإخلاله بِبَعْض أدوات المستقل بِأَن يُخلَّ بِالْحَدِيثِ أَو الْعَرَبيَّة وَكَثِيرًا مَا أخل بهما المقيَّد ثمَّ يتَّخذ نُصُوص إِمَامه أصولاً يستنبط مِنْهَا كَفعل المستقل بنصوص الشَّرْع وَرُبمَا اكْتفى فِي الحكم بِدَلِيل إِمَامه وَلَا يبْحَث عَن معَارض كَفعل المستقل فِي النُّصُوص وَهَذِه صفة أَصْحَابنَا أَصْحَاب الْوُجُوه وَعَلَيْهَا كَانَ أَئِمَّة أَصْحَابنَا أَو أَكْثَرهم وَالْعَامِل بفتوى هَذَا مقلد لإمامه لَا لَهُ
ثمَّ ظَاهر كَلَام الْأَصْحَاب أنَّ من هَذَا حَاله لَا يتأدَّى بِهِ فرض الْكِفَايَة
قَالَ أَبُو عَمْرو وَيظْهر تأدي الْفَرْض بِهِ فِي الْفَتْوَى وَإِن لم يتأد فِي إحْيَاء الْعُلُوم الَّتِي مِنْهَا استمداد

(1/27)


الْفَتْوَى لأنَّه قَامَ مقَام إِمَامه المستقل تَفْرِيعا على الصَّحِيح وَهُوَ جَوَاز تَقْلِيد الْمَيِّت
ثمَّ قد يسْتَقلّ الْمُقَيد فِي مَسْأَلَة أَو بَاب خَاص كَمَا تقدم
وَله أَن يُفْتِي فِيمَا لَا نصَّ فِيهِ لإمامه بِمَا يُخرجهُ على أُصُوله هَذَا هُوَ الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَل وَإِلَيْهِ مفزع الْمُفْتِينَ من مُدَدٍ طَوِيلَة ثمَّ إِذا أفتى بتخريجه فالمستفتي مقلد لإمامه لَا لَهُ هَكَذَا قطع بِهِ إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي كِتَابه الغياثي وَمَا أَكثر فَوَائده
قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو وَيَنْبَغِي أَن يخرج هَذَا على خلاف حَكَاهُ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ وَغَيره أَن مَا يُخرجهُ أَصْحَابنَا هَل تجوز نسبته إِلَى الشَّافِعِي
وَالأَصَح أَنه لَا ينْسب إِلَيْهِ
ثمَّ تَارَة يخرِّج من نَص معِين لإمامه وَتارَة لَا يجده فيخرّج على أُصُوله بِأَن يجد دَلِيلا على شَرط

(1/28)


مَا يحْتَج بِهِ إِمَامه فيفتي بِمُوجبِه
فَإِن نصَّ إِمَامه على شَيْء وَنَصّ فِي مَسْأَلَة تشبهها على خِلَافه فَخرج من أَحدهمَا إِلَى الآخر سمي قولا مخرجا
وَشرط هَذَا التَّخْرِيج أَن لَا يجد بَين نصيه فرقا فَإِن وجده وَجب تقريرهما على ظاهرهما ويختلفون كثيرا فِي القَوْل بالتخريج فِي مثل ذَلِك لاختلافهم فِي إِمْكَان الْفرق
قلتُ وَأكْثر ذَلِك يُمكن فِيهِ الفرقُ وَقد ذَكرُوهُ
الْحَالة الثَّالِثَة أَن لَا يبلغ رُتْبَة أَصْحَاب الْوُجُوه لكنه فَقِيه النَّفس حَافظ مَذْهَب إِمَامه عَارِف بأدلته قَائِم بتقريرها يصوّر ويحرّر ويقرّر ويمهد ويزيف ويرجح لكنَّه قصر عَن أُولَئِكَ لقصوره عَنْهُم فِي حفظ الْمَذْهَب أَو الارتياض فِي الاستنباط أَو معرفَة الْأُصُول وَنَحْوهَا من أدواتهم وَهَذِه صفةُ كثيرٍ

(1/29)


من الْمُتَأَخِّرين إِلَى أَوَاخِر المئة الرَّابِعَة المصنفين الَّذين رتبوا الْمَذْهَب وحرروه وصنَّفوا فِيهِ تصانيف فِيهَا مُعظم اشْتِغَال النَّاس الْيَوْم وَلم يلْحقُوا الَّذين قبلهم فِي التَّخْرِيج وَأما فتاويهم فَكَانُوا يتبسطون فِيهَا تبسط أُولَئِكَ أَو قَرِيبا مِنْهُ ويقيسون غير الْمَنْقُول عَلَيْهِ غير مقتصرين على الْقيَاس الْجَلِيّ وَمِنْهُم من جُمِعَت فَتَاوِيهِ وَلَا تبلغ فِي التحاقها بِالْمذهبِ مبلغَ فَتَاوَى أَصْحَاب الْوُجُوه
الْحَالة الرَّابِعَة أَن يقوم بِحِفْظ الْمَذْهَب وَنَقله وفهمه فِي الواضحات والمشكلات وَلَكِن عِنْده ضعف فِي تَقْرِير أدلته وتحرير أقيسته فَهَذَا يعْتَمد نَقله وفتواه بِهِ فِيمَا يحكيه من مسطورات مذْهبه من نُصُوص إِمَامه وتفريع الْمُجْتَهدين فِي مذْهبه وَمَا لَا يجده مَنْقُولًا إِن وجد فِي الْمَنْقُول مَعْنَاهُ بِحَيْثُ يدْرك بِغَيْر كَبِير فكر أنَّه لَا فرق بَينهمَا جَازَ إِلْحَاقه بِهِ وَالْفَتْوَى بِهِ وَكَذَا مَا يعلم اندراجه تَحت ضَابِط ممهد فِي الْمَذْهَب

(1/30)


وَمَا لَيْسَ كَذَلِك يجب إِمْسَاكه عَن الْفَتْوَى فِيهِ وَمثل هَذَا يَقع نَادرا فِي حق الْمَذْكُور إِذْ يبعد كَمَا قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ أَن تقع مَسْأَلَة لم ينص عَلَيْهَا فِي الْمَذْهَب وَلَا هِيَ فِي معنى الْمَنْصُوص وَلَا مندرجة تَحت ضَابِط
وَشَرطه كَونه فَقِيه النَّفس ذَا حَظّ وافر من الْفِقْه
قَالَ أَبُو عَمْرو وَأَن يَكْتَفِي فِي حفظ الْمَذْهَب فِي هَذِه الْحَالة وَالَّتِي قبلهَا بِكَوْن الْمُعظم على ذهنه ويتمكن لدربته من الْوُقُوف على الْبَاقِي على قرب
فصل فِي بعض مسَائِل أَهْلِيَّة الْمُفْتِي

هَذِه أَصْنَاف الْمُفْتِينَ وَهِي خمسةٌ وكلُّ صنف مِنْهَا يُشترط فِيهِ حفظ الْمَذْهَب وَفقه النَّفس فَمن تصدى للفتيا وَلَيْسَ بِهَذِهِ الصّفة فقد بَاء بِأَمْر عَظِيم

(1/31)


وَلَقَد قطع إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَغَيره بِأَن الأصولي الماهر الْمُتَصَرف فِي الْفِقْه لَا يحلُّ لَهُ الْفَتْوَى بِمُجَرَّد ذَلِك وَلَو وَقعت لَهُ وَاقعَة لزمَه أَن يسْأَل عَنْهَا ويلتحق بِهِ الْمُتَصَرف النظَّار البحاث من أَئِمَّة الْخلاف وفحول المناظرين لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهلا لإدراك حكم الْوَاقِعَة اسْتِقْلَالا لقُصُور آلَته وَلَا من مَذْهَب إِمَام لعدم حفظه لَهُ على الْوَجْه الْمُعْتَبر
فَإِن قيل من حفظ كتابا أَو أَكثر فِي الْمَذْهَب وَهُوَ قَاصِر لم يَتَّصِف بِصفة أحد مِمَّن سبق وَلم يجد الْعَاميّ فِي بَلَده غَيره هَل لَهُ الرُّجُوع إِلَى قَوْله
فَالْجَوَاب إِن كَانَ فِي غير بَلَده مُفتٍ يجد السَّبِيل إِلَيْهِ وَجب التَّوَصُّل إِلَيْهِ بِحَسب إِمْكَانه فَإِن تعذر ذكر مَسْأَلته للقاصر فَإِن وجدهَا بِعَينهَا فِي كتاب موثوق بِصِحَّتِهِ وَهُوَ مِمَّن يُقبل خَبره نقل لَهُ حكمهَا بنصه وَكَانَ الْعَاميّ فِيهَا مقلِّداً صَاحب الْمَذْهَب

(1/32)


قَالَ أَبُو عَمْرو وَهَذَا وجدتُّه فِي ضمن كَلَام بَعضهم وَالدَّلِيل يعضده
وَإِن لم يجدهَا مسطورة بِعَينهَا لم يقسها على مسطور عِنْده وَإِن اعتقده من قِيَاس لَا فَارق لِأَنَّهُ قد يتَوَهَّم ذَلِك فِي غير مَوْضِعه
فَإِن قيل هَل لمقلِّدٍ أَن يُفْتِي بِمَا هُوَ مقلد فِيهِ
قُلْنَا قطع أَبُو عبد الله الحَلِيمي وَأَبُو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ وَأَبُو المحاسن الرّوياني وَغَيرهم بِتَحْرِيمِهِ وَقَالَ الْقفال الْمروزِي يجوز د
قَالَ أَبُو عَمْرو قولُ من مَنعه مَعْنَاهُ لَا يذكرهُ على صُورَة من يَقُوله من عِنْد نَفسه بل يضيفه إِلَى إِمَامه الَّذِي قلَّده فعلى هَذَا من عددناه من الْمُفْتِينَ المقلدين لَيْسُوا مفتين حَقِيقَة لَكِن لما قَامُوا مقامهم وأدوا عَنْهُم عدوا مَعَهم وسبيلهم أَن يَقُولُوا مثلا مَذْهَب الشَّافِعِي كَذَا أَو نَحْو هَذَا وَمن ترك مِنْهُم الْإِضَافَة

(1/33)


فَهُوَ اكْتِفَاء بالمعلوم من الْحَال عَن التَّصْرِيح بِهِ وَلَا بَأْس بذلك
وَذكر صَاحب الْحَاوِي فِي الْعَاميّ إِذا عرف حكم حَادِثَة بِنَاء على دليلها ثَلَاثَة أوجه
أَحدهَا يجوز أَن يُفْتِي بِهِ وَيجوز تَقْلِيده لِأَنَّهُ وصل إِلَى علمه كوصول الْعَالم
وَالثَّانِي يجوز إِن كَانَ دليلها كتابا أَو سنة وَلَا يجوز إِن كَانَ غَيرهمَا
وَالثَّالِث لَا يجوز مُطلقًا وَهُوَ الْأَصَح وَالله أعلم

(1/34)

















4.

















































[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]





آداب الفتوى والمفتي والمستفتي

فصل فِي أَحْكَام الْمُفْتِينَ

فِيهِ مسَائِل
إِحْدَاهَا الْإِفْتَاء فرض كِفَايَة فَإِذا استفتي وَلَيْسَ فِي النَّاحِيَة غَيره تعيَّن عَلَيْهِ الْجَواب فَإِن كَانَ فِيهَا غَيره وَحضر فَالْجَوَاب فِي حَقّهمَا فرض كِفَايَة وَإِن لم يحضرهُ غَيره فَوَجْهَانِ
أصَحهمَا لَا يتَعَيَّن لما سبق عَن ابْن أبي ليلى
وَالثَّانِي يتَعَيَّن
وهما كالوجهين فِي مثله فِي الشَّهَادَة وَلَو سَأَلَ عَامي عَمَّا يَقع لم يجب جَوَابه
الثَّانِيَة إِذا أفتى بِشَيْء ثمَّ رَجَعَ عَنهُ فَإِن علم المستفتي بِرُجُوعِهِ وَلم يكن عمل بِالْأولِ لم يجز الْعَمَل

(1/35)


بِهِ وَكَذَا إِن نكح بفتواه وَاسْتمرّ على نِكَاح بفتواه ثمَّ رَجَعَ لزمَه مفارقتها كَمَا لَو تغير اجْتِهَاد من قلَّده فِي الْقبْلَة فِي أثْنَاء صلَاته وَإِن كَانَ عمل قبل رُجُوعه فَإِن خَالف دَلِيلا قَاطعا لزم المستفتي نقض عمله ذَلِك وَإِن كَانَ فِي مَحل اجْتِهَاد لم يلْزمه نقضه لِأَن الِاجْتِهَاد لَا ينْقض بِالِاجْتِهَادِ وَهَذَا التَّفْصِيل ذكره الصَّيْمَرِيّ والخطيب وَأَبُو عَمْرو وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَلَا أعلم خِلَافه وَمَا ذكره الْغَزالِيّ والرازي لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيح بِخِلَافِهِ
قَالَ أَبُو عَمْرو وَإِذا كَانَ يُفتي على مَذْهَب إمامٍ فَرجع لكَونه بَان لَهُ قطعا مُخَالفَة نَص مَذْهَب إِمَامه وَجب نقضه وَإِن كَانَ فِي مَحل الِاجْتِهَاد لأنَّ نَص مَذْهَب إِمَامه فِي حَقه كنص الشَّارِع فِي حق الْمُجْتَهد المستقل أما إِذا لم يعلم المستفتي بِرُجُوع الْمُفْتِي فحال المستفتي فِي علمه كَمَا قبل الرُّجُوع وَيلْزم الْمُفْتِي إِعْلَامه قبل الْعَمَل وَكَذَا بعده حَيْثُ يجب النَّقْض
وَإِذا عمل بفتواه فِي إِتْلَاف فَبَان خطأه وَأَنه

(1/36)


خَالف الْقَاطِع فَعَن الْأُسْتَاذ أبي إِسْحَاق الأسفراييني أَنه يضمن إِن كَانَ أَهلا للْفَتْوَى وَلَا يضمن إِن لم يكن أَهلا لِأَن المستفتي قصًَّر كَذَا حَكَاهُ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو ابْن الصّلاح وَسكت عَلَيْهِ وَهُوَ مُشكِلٌ وَيَنْبَغِي أَن يخرج الضَّمَان على قولي الْغرُور المعروفين فِي بَابي الْغَصْب وَالنِّكَاح وَغَيرهمَا أَو يقطع بِعَدَمِ الضَّمَان إِذْ لَيْسَ فِي الْفَتْوَى إِلْزَام وَلَا إلجاء
الثَّالِثَة يحرم التساهل فِي الْفَتْوَى وَمن عرف بِهِ حرم استفتاؤه
فَمن التساهل أَن لَا يتثبت ويُسرِع بالفتوى قبل اسْتِيفَاء حقِّها من النّظر والفكر فَإِن تقدّمت مَعْرفَته بالمسؤول عَنهُ فَلَا بَأْس بالمبادرة وعَلى هَذَا يحمل مَا نقل عَن الماضين من مبادرة
وَمن التساهل أَن تحمله الْأَغْرَاض الْفَاسِدَة على تتبع

(1/37)


الْحِيَل المحرَّمة أَو الْمَكْرُوهَة والتمسك بالشبه طلبا للترخيص لمن يروم نَفعه أَو التَّغْلِيظ على من يُرِيد ضره
وَأما مَنْ صَحَّ قَصده فاحتسب فِي طَلَبِ حيلةٍ لَا شُبْهَة فِيهَا لتخليص من ورطة يَمِين وَنَحْوهَا فَذَلِك حسن جميل
وَعَلِيهِ يحمل مَا جَاءَ عَن بعض السّلف من نَحْو هَذَا كَقَوْل سُفْيَان إنمَّا الْعلم عندنَا الرُّخْصَة من ثِقَة فَأَما التَّشْدِيد فيحسنه كل أحد
وَمن الْحِيَل الَّتِي فِيهَا شُبْهَة ويذم فاعلها الْحِيلَة السُّريجية فِي سدِّ بَاب الطَّلَاق
الرَّابِعَة يَنْبَغِي أَن لَا يُفْتِي فِي حَال تغيُّر خُلُقه وتشغل قلبه وتمنعه التَّأَمُّل كغضب وجوع

(1/38)


وعطش وحزن وَفَرح غَالب ونعاس أَو ملل أَو حر مزعج أَو مرض مؤلم أَو مدافعة حَدَث وكل حَال يشْتَغل فِيهِ قلبه وَيخرج عَن حد الِاعْتِدَال فَإِن أفتى فِي بعض الْأَحْوَال وَهُوَ يَرَى أَنه لم يخرج عَن الصَّوَاب جَازَ وَإِن كَانَ مخاطراً بهَا
الْخَامِسَة الْمُخْتَار للمتصدِّي للْفَتْوَى أَن يتبرعَ بذلك وَيجوز أَن يَأْخُذ عَلَيْهِ رزقا من بَيت المَال إِلَّا أيتعين عَلَيْهِ وَله كِفَايَة فَيحرم على الصَّحِيح ثمَّ إِن كَانَ لَهُ رزقٌ لم يجز أَخذ أُجْرَة أصلا وَإِن لم يكن لَهُ رزق فَلَيْسَ لَهُ أَخذ أُجْرَة من أَعْيَان مَنْ يفتيه على الْأَصَح كالحاكم
واحتال الشَّيْخ أَبُو حَاتِم الْقزْوِينِي من أَصْحَابنَا فَقَالَ لَهُ أَن يَقُول يلْزَمنِي أَن أفيتك قولا وَأما كِتَابَة الْخط فَلَا فَإِذا اسْتَأْجرهُ على كِتَابَة الْخط جَازَ
قَالَ الصَّيْمَرِيّ والخطيب لَو اتّفق أهل الْبَلَد فَجعلُوا لَهُ رزقا من أَمْوَالهم على أَن يتَفَرَّع لفتاويهم جَازَ

(1/39)


أما الْهَدِيَّة فَقَالَ أَبُو مظفر السَّمعاني لَهُ قبُولهَا بِخِلَاف الْحَاكِم فَإِنَّهُ يلْزم حكمهَا
قَالَ أَبُو عَمْرو يَنْبَغِي أَن يحرم قبُولهَا إِن كَانَ رشوة على أَن يفتيه بِمَا يُرِيد كَمَا فِي الْحَاكِم وَسَائِر مَا لَا يُقَابل بعوض
قَالَ الْخَطِيب وعَلى الإِمَام أَن يفْرض لمن نصب نَفسه لتدريس الْفِقْه وَالْفَتْوَى فِي الْأَحْكَام مَا يُغْنِيه عَن الاحتراف وَيكون ذَلِك من بَيت المَال ثمَّ روى بِإِسْنَادِهِ أَن عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ أعْطى كلَّ رجلٍ مِمَّن هَذِه صفته مئة دِينَار فِي السّنة
السَّادِسَة لَا يجوز أَن يُفْتِي فِي الْأَيْمَان وَالْإِقْرَار وَنَحْوهمَا مِمَّا يتَعَلَّق بالألفاظ إِلَّا أَن يكون من أهل بلد اللافظ أَو متنَزِّلاً مَنْزِلَتهمْ فِي الْخِبْرَة بمرادهم من ألفاظهم وعرفهم فِيهَا

(1/40)


السَّابِعَة لَا يجوز لمن كَانَت فتواه نقلا لمَذْهَب إِمَام إِذا اعْتمد الْكتب أَن يعْتَمد إِلَّا على كتاب موثوقٍ بِصِحَّتِهِ وَبِأَنَّهُ مَذْهَب ذَلِك الإِمَام فَإِن وثق بِأَن أصل التصنيف بِهَذِهِ الصّفة لَكِن لم تكن هَذِه النُّسْخَة مُعْتَمدَة فليستظهر بنسخ مِنْهُ متَّفقة وَقد تحصل لَهُ الثِّقَة من نُسْخَة غير موثوق بهَا فِي بعض الْمسَائِل إِذا رأى الْكَلَام منتظماً وَهُوَ خَبِير فَطِن لَا يخفى عَلَيْهِ لدربته مَوضِع الْإِسْقَاط والتغيير فَإِن لم يجده إِلَّا فِي نُسْخَة غير موثوق بهَا فَقَالَ أَبُو عَمْرو ينظر فَإِن وجده مُوَافقا لأصول الْمَذْهَب وَهُوَ أهل لتخريج مثله فِي الْمَذْهَب لَو لم يجده مَنْقُولًا فَلهُ أَن يُفْتِي بِهِ فَإِن أَرَادَ حكايته عَن قَائِله فَلَا يقل قَالَ الشَّافِعِي مثلا كَذَا وَليقل وَجدتُّ عَن الشَّافِعِي كَذَا أَو بَلغنِي عَنهُ وَنَحْو هَذَا وَإِن لم يكن أَهلا لتخريج مثله لم يجز لَهُ ذَلِك فَإِن سَبيله النَّقْل الْمَحْض وَلم يحصل مَا يجوز لَهُ ذَلِك وَله أَن يذكرهُ لَا على سَبِيل الْفَتْوَى مُفصِحاً بِحَالهِ فَيَقُول وجدته فِي نُسْخَة من الْكتاب الْفُلَانِيّ وَنَحْوه

(1/41)


قلتُ لَا يجوز لمفتٍ على مَذْهَب الشَّافِعِي إِذا اعْتمد النَّقْل أَن يَكْتَفِي بمصنَّفٍ ومصنفين وَنَحْوهمَا من كتب الْمُتَقَدِّمين وَأكْثر الْمُتَأَخِّرين لِكَثْرَة الِاخْتِلَاف بَينهم فِي الْجَزْم وَالتَّرْجِيح لِأَن هَذَا الْمُفْتِي الْمَذْكُور إِنَّمَا ينْقل مَذْهَب الشَّافِعِي وَلَا يحصل لَهُ وثوق بِأَن مَا فِي المصنفين الْمَذْكُورين وَنَحْوهمَا هُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي أَو الرَّاجِح مِنْهُ لما فِيهَا من الِاخْتِلَاف وَهَذَا مِمَّا لَا يتشكك فِيهِ من لَهُ أدنى أنس بِالْمذهبِ بل قد يجْزم نَحْو عشرَة من المصنفين بِشَيْء وَهُوَ شاذٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرَّاجِح فِي الْمَذْهَب ومخالفٌ لما عَلَيْهِ الْجُمْهُور وَرُبمَا خَالف نصَّ الشَّافِعِي أَو نصوصاً لَهُ وسترى فِي هَذَا الشَّرْح إِن شَاءَ الله تَعَالَى أَمْثِلَة ذَلِك وَأَرْجُو إِن تمّ هَذَا الْكتاب أَنه يسْتَغْنى بِهِ عَن كل مصنّف وَيعلم بِهِ مَذْهَب الشَّافِعِي علما قَطْعِيا إِن شَاءَ الله تَعَالَى
الثَّامِنَة إِذا أفتى فِي حَادِثَة ثمَّ حدثت مثلهَا

(1/42)


فَإِن ذكر الْفَتْوَى الأولى ودليلها بِالنِّسْبَةِ إِلَى أصل الشَّرْع إِن كَانَ مُسْتَقْبلا أَو إِلَى مذْهبه إِن كَانَ منتسباً أفتى بذلك بِلَا نظر وَإِن ذكرهَا وَلم يذكر دليلها وَلَا طَرَأَ مايوجب رُجُوعه فَقيل لَهُ أَن يُفْتِي بذلك وَالأَصَح وجوب تَجْدِيد النّظر وَمثله القَاضِي إِذا حكم بِالِاجْتِهَادِ ثمَّ وَقعت الْمَسْأَلَة وَكَذَا تَجْدِيد الطّلب فِي التَّيَمُّم وَالِاجْتِهَاد فِي الْقبْلَة وَفِيهِمَا الْوَجْهَانِ قَالَ القَاضِي أَبُو الطّيب فِي تَعْلِيقه فِي آخر بَاب اسْتِقْبَال الْقبْلَة وَكَذَا الْعَاميّ إِذا وَقعت لَهُ مَسْأَلَة فَسَأَلَ عَنْهَا ثمَّ وَقعت لَهُ فَيلْزمهُ السُّؤَال ثَانِيًا يَعْنِي على الْأَصَح
قَالَ إِلَّا أَن تكون مَسْأَلَة يكثر وُقُوعهَا ويشق عَلَيْهِ إِعَادَة السُّؤَال عَنْهَا فَلَا يلْزمه ذَلِك ويكفيه السُّؤَال الأول للْمَشَقَّة
التَّاسِعَة يَنْبَغِي أَن لايقتصر فِي فتواه على قَوْله

(1/43)


فِي الْمَسْأَلَة خلاف أَو قَولَانِ أَو وَجْهَان أَو رِوَايَتَانِ أَو يرجع إِلَى رَأْي القَاضِي وَنَحْو ذَلِك فَهَذَا لَيْسَ بِجَوَاب ومقصود المستفتي بَيَان مَا يعْمل بِهِ فَيَنْبَغِي أَن يجْزم لَهُ بِمَا هُوَ الرَّاجِح فَإِن لم يعرفهُ توقَّف حَتَّى يظْهر أَو يتْرك الْإِفْتَاء كَمَا كَانَ جمَاعَة من كبار أَصْحَابنَا يمتنعون من الْإِفْتَاء فِي حنث النَّاسِي
















5.

















































[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]





آداب الفتوى والمفتي والمستفتي

فصل فِي آدَاب الْفَتْوَى

فِيهِ مسَائِل
إِحْدَاهمَا يلْزم الْمُفْتِي أَن يبين الْجَواب بَيَانا يزِيل الْإِشْكَال ثمَّ لَهُ الِاقْتِصَار على الْجَواب شفاهاً فَإِن لم يعرف لِسَان المستفتي كَفاهُ تَرْجَمَة ثِقَة وَاحِد لِأَنَّهُ خبر وَله الْجَواب كِتَابَة وَإِن كَانَت الْكِتَابَة على خطر وَكَانَ القَاضِي أَبُو حَامِد المروروذي كثير الْهَرَب من الْفَتْوَى فِي الرِّقاع

(1/44)


قَالَ الصَّيْمَرِيّ وَلَيْسَ من الْأَدَب كَون السُّؤَال بِخَط الْمُفْتِي فَأَما بإملائه وتهذيبه فواسع
وَكَانَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ قد يكْتب السُّؤَال على ورق لَهُ ثمَّ يكْتب الْجَواب
وَإِذا كَانَ فِي الرقعة مسَائِل فَالْأَحْسَن تَرْتِيب الْجَواب على تَرْتِيب السُّؤَال وَلَو ترك التَّرْتِيب فَلَا بَأْس وَيُشبه معنى قَول الله تَعَالَى {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذين اسودت} 3 سُورَة آل عمرَان الْآيَة 106
وَإِذا كَانَ فِي الْمَسْأَلَة تَفْصِيل لم يُطلق الْجَواب فَإِنَّهُ خطأ ثمَّ لَهُ أَن يستفصل السَّائِل إِن حضر ويقيد السُّؤَال فِي رقْعَة أُخْرَى ثمَّ يُجيب وَهَذَا أولى وَأسلم وَله أَن يقْتَصر على جَوَاب أحد الْأَقْسَام إِذا علم أَنه الْوَاقِع للسَّائِل وَيَقُول هَذَا إِذا كَانَ الْأَمر كَذَا وَله أَن يفصِّل الْأَقْسَام فِي جَوَابه وَيذكر حكمَ كلِّ قسم لَكِن

(1/45)


هَذَا كرهه أَبُو الْحسن الْقَابِسِيّ من أَئِمَّة الْمَالِكِيَّة وَغَيره وَقَالُوا هَذَا تَعْلِيم للنَّاس الْفُجُور وَإِذا لم يجد الْمُفْتِي من يسْأَله فصَّل الْأَقْسَام واجتهد فِي بَيَانهَا واستيفائها
الثَّانِيَة لَيْسَ لَهُ أَن يكْتب الْجَواب على مَا علمه من صُورَة الْوَاقِعَة إِذا لم يكن فِي الرقعة تعرّض لَهُ بل يكْتب جَوَاب مَا فِي الرقعة فَإِن أَرَادَ جَوَاب مَا لَيْسَ فِيهَا فَلْيقل وَإِن كَانَ الْأَمر كَذَا وَكَذَا فَجَوَابه كَذَا
وَاسْتحبَّ الْعلمَاء أَن يزِيد على مَا فِي الرقعة مَا لَهُ تعلُّق بهَا مِمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ السَّائِل لحَدِيث هُوَ الطّهُور مَاؤُهُ الْحل ميتَته
الثَّالِثَة إِذا كَانَ المستفتي بعيد الْفَهم فليرفقْ بِهِ ويصبر على تفهم سُؤَاله وتفهيم جَوَابه فَإِن ثَوَابه جزيل
الرَّابِعَة ليتأمل الرقعة تأملاً شافياً وآخرُها آكِد فَإِن السُّؤَال فِي آخرهَا وَقد يتَقَيَّد الْجَمِيع بِكَلِمَة فِي آخرهَا ويغفل عَنْهَا

(1/46)


قَالَ الصَّيْمَرِيّ قَالَ بعض الْعلمَاء يَنْبَغِي أَن يكون توقعه فِي الْمَسْأَلَة السهلة كالصعبة ليعتاده
وَكَانَ مُحَمَّد بن الْحسن يَفْعَله
وَإِذا وجد كلمة مشتبهة سَأَلَ المستفتي عَنْهَا ونقَّطها وشكلها وَكَذَا إِن وجد لحناً فَاحِشا أَو خطأ يحِيل الْمَعْنى أصلحه وَإِن رأى بَيَاضًا فِي أثْنَاء سطر أَو آخِره خطّ عَلَيْهِ أَو شغله لأنَّه رُبمَا قَصَد الْمُفْتى بالإيذاء فَكتب فِي الْبيَاض بعد فتواه مَا يُفْسِدهَا كَمَا بلي بِهِ القَاضِي أَبُو حَامِد المروروذي

(1/47)


الْخَامِسَة يسْتَحبّ أَن يَقْرَأها على حاضريه مِمَّن هُوَ أهل لذَلِك ويشاورهم ويباحثهم بِرِفْق وإنصاف وَإِن كَانُوا دونه وتلامذته للاقتداء بالسلف ورجاء ظُهُور مَا قد يخفى عَلَيْهِ إِلَّا أَن يكون فِيهَا مَا يقبح إبداؤه أَو يُؤثر السَّائِل كِتْمَانه أَو فِي إشاعته مفْسدَة
السَّادِسَة ليكتب الْجَواب بِخَط واضحٍ وسط لَا دَقِيق خَافَ وَلَا غليظ جَاف ويتوسط فِي سطورها بَين توسيعها وتضييقها وَتَكون عِبَارَته وَاضِحَة صَحِيحَة تفهمها الْعَامَّة وَلَا يزدريها الْخَاصَّة وَاسْتحبَّ بَعضهم أَن لَا تخْتَلف أقلامه وخطه خوفًا من التزوير وَلِئَلَّا يشْتَبه خطه
قَالَ الصَّيْمَرِيّ وَقل مَا وجد التزوير على الْمُفْتِي لِأَن الله تَعَالَى حَرَسَ أَمر الدّين
وَإِذا كتب الْجَواب أعَاد نظره فِيهِ خوفًا من اختلال وَقع فِيهِ أَو إخلال بِبَعْض المسؤول عَنهُ

(1/48)


السَّابِعَة إِذا كَانَ هَذَا الْمُبْتَدِئ فالعادة قَدِيما وحديثًا أَن يكْتب فِي النَّاحِيَة الْيُسْرَى من الورقة
قَالَ الصَّيْمَرِيّ وَغَيره وَأَيْنَ كتب من وسط الرقعة أَو حاشيتها فَلَا عتب عَلَيْهِ وَلَا يكْتب فَوق الْبَسْمَلَة بِحَال وَيَنْبَغِي أَن يَدْعُو إِذا أَرَادَ الْإِفْتَاء
وَجَاء عَن مَكْحُول وَمَالك رحمهمَا الله أَنَّهُمَا كَانَا لَا يفتيان حَتَّى يَقُولَا لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَيسْتَحب الِاسْتِعَاذَة من الشَّيْطَان ويسمي الله تَعَالَى وَيَحْمَدهُ وَيُصلي على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَليقل {رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي} 20 سُورَة طه الْآيَة 25 الْآيَة وَنَحْو ذَلِك قَالَ الصَّيْمَرِيّ وَعَادَة كثيرين أَن يبدأوا فتاويهم الْجَواب وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق وَحذف آخَرُونَ ذَلِك
قَالَ الصَّيْمَرِيّ وَلَو عمل ذَلِك فِيمَا طَال من الْمسَائِل واشتمل على فُصُول وَحذف فِي غَيره كَانَ وَجها

(1/49)


قلتُ الْمُخْتَار قَول ذَلِك مُطلقًا وَأحسنه الِابْتِدَاء بقول الْحَمد لله لحَدِيث كُلُّ أَمر ذِي بَال لَا يبْدَأ بِالْحَمْد لله فَهُوَ أَجْذم وَيَنْبَغِي أَن يَقُوله بِلِسَانِهِ ويكتبه
قَالَ الصَّيْمَرِيّ وَلَا يدع ختم جَوَابه بقوله وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق أَو وَالله أعلم أَو وَالله الْمُوفق
قَالَ وَلَا يقبح قَوْله الْجَواب عندنَا أَو الَّذِي عندنَا أَو الَّذِي نقُول بِهِ أَو نَذْهَب إِلَيْهِ أنراه كَذَا لِأَنَّهُ من أهل ذَلِك
قَالَ وَإِذا أغفل السَّائِل الدُّعَاء للمفتي أَو الصَّلَاة على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي آخر الْفَتْوَى ألحق الْمُفْتِي ذَلِك بِخَطِّهِ فَإِن الْعَادة جَارِيَة بِهِ
قلتُ وَإِذا ختم الْجَواب بقوله وَالله أعلم وَنَحْوه مِمَّا سبق فليكتب بعده كتبه فلَان أَو فلَان بن فلَان الْفُلَانِيّ فينتسب إِلَى مَا يعرف بِهِ من

(1/50)


قَبيلَة أَو بَلْدَة أَو صفة ثمَّ يَقُول الشَّافِعِي أَو الْحَنَفِيّ مثلا فَإِن كَانَ مَشْهُورا بِالِاسْمِ أَو غَيره فَلَا بَأْس بالاقتصار عَلَيْهِ
قَالَ الصَّيْمَرِيّ وَرَأى بَعضهم أَن يكْتب الْمُفْتِي بالمداد دون الحبر خوفًا من الحك
قَالَ وَالْمُسْتَحب الحبر لَا غير
قلتُ لَا يخْتَص وَاحِد مِنْهُمَا هُنَا بالاستحباب بِخِلَاف كتب الْعلم فالمستحب فِيهَا الحبر لِأَنَّهَا ترادُ للبقاء والحبر أبقى
قَالَ الصَّيْمَرِيّ وَيَنْبَغِي إِذا تعلّقت الْفَتْوَى بالسلطان أَن يَدْعُو لَهُ فَيَقُول وعَلى ولي الْأَمر أَو السُّلْطَان أصلحه الله أَو سدده الله أَو قوى الله عزمه أَو أصلح الله بِهِ أَو شدّ الله أزره وَلَا يقل أَطَالَ الله بَقَاءَهُ فَلَيْسَتْ من أَلْفَاظ السّلف
قلتُ نقل أَبُو جَعْفَر النَّحَّاس وَغَيره اتِّفَاق الْعلمَاء

(1/51)


على كَرَاهَة قَول أَطَالَ الله بَقَاءَك وَقَالَ بَعضهم هِيَ تَحِيَّة الزَّنَادِقَة وَفِي صَحِيح مُسلم فِي حَدِيث أم حَبِيبَة رَضِي الله عَنْهَا إِشَارَة إِلَى أَن الأولى ترك نَحْو هَذَا من الدُّعَاء بطول الْبَقَاء وأشباهه
الثَّامِنَة ليختصر جَوَابه وَيكون بِحَيْثُ تفهمه الْعَامَّة
قَالَ صَاحب الْحَاوِي يَقُول يجوز أَو لَا يجوز أَو حق أَو بَاطِل
وَحكى شَيْخه الصَّيْمَرِيّ عَن شَيْخه القَاضِي أبي حَامِد أَنه كَانَ يختصر غَايَة مَا يُمكنهُ واستفتي فِي مَسْأَلَة آخرهَا يجوز أم لَا فَكتب لَا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
التَّاسِعَة قَالَ الصَّيْمَرِيّ والخطيب إِذا سُئِلَ عَمَّن قَالَ أَنا أصدق من مُحَمَّد بن عبد الله أَو الصَّلَاة لعب وَشبه ذَلِك فَلَا يُبَادر بقوله هَذَا حَلَال

(1/52)


الدَّم أَو عَلَيْهِ الْقَتْل بل يَقُول إِن صَحَّ هَذَا بِإِقْرَارِهِ أَو بِالْبَيِّنَةِ استتابه السُّلْطَان فَإِن تَابَ قبلت تَوْبَته وَإِن لم يتب فعل بِهِ كَذَا وَكَذَا وَبَالغ فِي ذَلِك وأشبعه
قَالَ وَإِن سُئِلَ عَمَّن تكلم بِشَيْء يحْتَمل وُجُوهًا يكفر بِبَعْضِهَا دون بعض قَالَ يسْأَل هَذَا الْقَائِل فَإِن قَالَ أردْت كَذَا فَالْجَوَاب كَذَا
وَإِن سُئِلَ عَمَّن قتل أَو قلع عينا أَو غَيرهَا احتاط فَذكر الشُّرُوط الَّتِي يجب بجميعها الْقصاص
وَإِن سُئِلَ عَمَّن فعل مَا يُوجب التَّعْزِير ذكر مَا يُعَزّر بِهِ فَيَقُول يضْربهُ السُّلْطَان كَذَا وَكَذَا وَلَا يُزَاد على كَذَا هَذَا كَلَام الصَّيْمَرِيّ والخطيب وَغَيرهمَا
قَالَ أَبُو عَمْرو وَلَو كتب عَلَيْهِ الْقصاص أَو التَّعْزِير بِشَرْطِهِ فَلَيْسَ ذَلِك بِإِطْلَاق بل تَقْيِيده بِشَرْطِهِ يحمل الْوَالِي على السُّؤَال عَن شَرطه وَالْبَيَان أولى

(1/53)


الْعَاشِرَة يَنْبَغِي إِذا ضَاقَ مَوضِع الْجَواب أَن لَا يَكْتُبهُ فِي رقْعَة أُخْرَى خوفًا من الْحِيلَة وَلِهَذَا قَالُوا يصل جَوَابه بآخر سطر وَلَا يدع فُرْجَة لِئَلَّا يزِيد السَّائِل شَيْئا يُفْسِدهَا وَإِذا كَانَ مَوضِع الْجَواب ورقة ملصقة كتب على الإلصاق وَلَو ضَاقَ بَاطِن الرقعة وَكتب الْجَواب فِي ظهرهَا كتبه فِي أَعْلَاهَا إِلَّا أَن يَبْتَدِئ من أَسْفَلهَا مُتَّصِلا بالاستفتاء فيضيق الْموضع فيتمه فِي أَسْفَل ظهرهَا ليتصل جَوَابه وَاخْتَارَ بَعضهم أَن يكْتب على ظهرهَا لَا على حاشيتها وَالْمُخْتَار عِنْد الصَّيْمَرِيّ وَغَيره أَن حاشيتها أولى من ظهرهَا
قَالَ الصَّيْمَرِيّ وَغَيره وَالْأَمر فِي ذَلِك قريب
الْحَادِيَة عشرَة إِذا ظهر للمفتي أَن الْجَواب خلاف غَرَض المستفتي وَأَنه لَا يرضى بكتابته فِي ورقته فليقتصر على مشافهته بِالْجَوَابِ وليحذر أَن يمِيل فِي فتواه مَعَ المستفتي أَو خَصمه ووجوه الْميل كَثِيرَة لَا تخفى وَمِنْهَا أَن يكْتب فِي جَوَابه مَا هُوَ لَهُ وَيتْرك

(1/54)


مَا عَلَيْهِ وَلَيْسَ لَهُ أَن يبْدَأ فِي مسَائِل الدَّعْوَى والبينات بِوُجُوه المخالص مِنْهَا وَإِذا سَأَلَهُ أحدهم وَقَالَ بِأَيّ شَيْء تنْدَفع دَعْوَى كَذَا وَكَذَا أَو بَيِّنَة كَذَا لم يجبهُ كَيْلا يتَوَصَّل بذلك إِلَى إبِْطَال حق وَله أَن يسْأَله عَن حَاله فِيمَا ادّعى عَلَيْهِ فَإِذا شَرحه لَهُ عرفه بِمَا فِيهِ من دَافع وَغير دَافع
قَالَ الصَّيْمَرِيّ وَيَنْبَغِي للمفتي إِذا رأى للسَّائِل طَرِيقا يرشده إِلَيْهِ أَن ينبهه عَلَيْهِ يَعْنِي مَا لم يضر غَيره ضَرَرا بِغَيْر حق
قَالَ كمن حلف لَا ينْفق على زَوجته شهرا يَقُول يُعْطِيهَا من صَدَاقهَا أَو قرضا أَو بيعا ثمَّ يبرئها
وكما حُكيَ أَن رجلا قَالَ لأبي حنيفَة رَحمَه الله حلفتُ أَنِّي أَطَأ امْرَأَتي فِي نَهَار رَمَضَان وَلَا أكفر وَلَا أعصي فَقَالَ سَافر بهَا

(1/55)


الثَّانِيَة عشرَة قَالَ الصَّيْمَرِيّ إِذا رأى الْمُفْتِي الْمصلحَة أَن يُفْتِي الْعَاميّ بِمَا فِيهِ تغليظٌ وَهُوَ مِمَّا لَا يعْتَقد ظَاهره وَله فِيهِ تَأْوِيل جَازَ ذَلِك زجرا لَهُ كَمَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا أَنه سُئِلَ عَن تَوْبَة الْقَاتِل فَقَالَ لَا تَوْبَة لَهُ وَسَأَلَهُ آخر فَقَالَ لَهُ تَوْبَة ثمَّ قَالَ أما الأول فَرَأَيْت فِي عينه إِرَادَة الْقَتْل فمنعته وَأما الثَّانِي فجَاء مستكيناً قد قتل فَلم أقنطه
قَالَ الصَّيْمَرِيّ وَكَذَا إِن سَأَلَهُ رجل فَقَالَ إِن قتلتُ عَبدِي هَل عَليّ قصاص فواسع أَن يَقُول إِن قتلت عَبدك قتلناك فقد رُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من قتل عَبده قَتَلْنَاهُ وَلِأَن الْقَتْل لَهُ معَان
قَالَ وَلَو سُئِلَ عَن سبّ الصَّحَابِيّ هَل يُوجب الْقَتْل فواسع أَن يَقُول رُوِيَ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ مَن سبّ أَصْحَابِي فَاقْتُلُوهُ فيفعل كل هَذَا زجرا

(1/56)


للعامة وَمن قَلَّ دينه ومروءته
الثَّالِثَة عشرَة يجب على الْمُفْتِي عِنْد اجْتِمَاع الرِّقاع بِحَضْرَتِهِ أَن يقدم الأسبق فالأسبق كَمَا يَفْعَله القَاضِي فِي الْخُصُوم وَهَذَا فِيمَا يجب فِيهِ الْإِفْتَاء فَإِن تساووا أَو جهل السَّابِق قدم بِالْقُرْعَةِ وَالصَّحِيح أَنه يجوز تَقْدِيم الْمَرْأَة وَالْمُسَافر الَّذِي شدَّ رَحْله وَفِي تَأْخِيره ضَرَر بتخلفه عَن رفقته وَنَحْو ذَلِك على من سبقهما إِلَّا إِذا كثر المسافرون وَالنِّسَاء بِحَيْثُ يلْحق غَيرهم بتقديمهم ضررٌ كثير فَيَعُود إِلَى التَّقْدِيم بِالسَّبقِ أَو الْقرعَة ثمَّ لَا يقدم أحدا إِلَّا فِي فتيا وَاحِدَة
الرَّابِعَة عشرَة قَالَ الصَّيْمَرِيّ وَأَبُو عَمْرو إِذا سُئِلَ عَن ميراثٍ فَلَيْسَتْ الْعَادة أَن يشْتَرط فِي الْوَرَثَة عدم الرّقّ وَالْكفْر وَالْقَتْل وَغَيرهَا من مَوَانِع الْمِيرَاث بل

(1/57)


الْمُطلق مَحْمُول على ذَلِك بِخِلَاف مَا أطلق الْإِخْوَة وَالْأَخَوَات والأعمام وَبينهمْ فَلَا بُد أَن يَقُول فِي الْجَواب من أَب وَأم أَو من أَب أَو من أم وَإِذا سُئِلَ عَن مَسْأَلَة عول كالمنبرية وَهِي زَوْجَة وأبوان وبنتان فَلَا يقل للزَّوْجَة الثّمن وَلَا التسع لِأَنَّهُ لم يُطلقهُ أحدٌ من السّلف بل يقل لَهَا الثّمن عائلاً وَهِي ثَلَاثَة أسْهم من سَبْعَة وَعشْرين أَو لَهَا ثَلَاثَة أسْهم من سَبْعَة وَعشْرين أَو يَقُول مَا قَالَه أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ صَار ثمنهَا تسعا وَإِذا كَانَ فِي الْمَذْكُورين فِي رقْعَة الاستفتاء مَنْ لَا يَرث أفْصح بسقوطه فَقَالَ وَسقط فلَان وَإِن كَانَ سُقُوطه فِي حَال دون حَال قَالَ وَسقط فلَان فِي هَذِه الصُّورَة أَو نَحْو ذَلِك لِئَلَّا يتَوَهَّم أَنه لَا يَرث بِحَال
وَإِذا سُئِلَ عَن إخْوَة وأخوات أَو بَنِينَ وَبَنَات فَلَا يَنْبَغِي أَن يَقُول {للذّكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ} 4 سُورَة النِّسَاء الْآيَة 11 فَإِن ذَلِك قد يشكل

(1/58)


على الْعَاميّ بل يَقُول يقتسمون التَّرِكَة على كَذَا وَكَذَا سَهْما لكل ذَكَرٍ كَذَا وَكَذَا سَهْما وَلكُل أُنْثَى كَذَا وَكَذَا سَهْما قَالَه الصميري
قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو ابْن الصّلاح وَنحن نجد فِي تعمد الْعُدُول عَنهُ حزازة فِي النَّفس لكَونه لفظ الْقُرْآن الْعَزِيز وَأَنه قل مَا يخفى مَعْنَاهُ على أحد
وَيَنْبَغِي أَن يكون فِي جَوَاب مسَائِل المناسخات شَدِيد التَّحَرُّز والتحفظ وَليقل فِيهَا لفُلَان كَذَا وَكَذَا بميراثه من أَبِيه ثمَّ من أمه ثمَّ من أَخِيه
قَالَ الصَّيْمَرِيّ وَكَانَ بَعضهم يخْتَار أَن يَقُول لفُلَان كَذَا وَكَذَا سَهْما مِيرَاثه من أَبِيه كَذَا وَمن أمه كَذَا وَمن أَخِيه كَذَا
قَالَ وكل هَذَا قريب

(1/59)


قَالَ الصَّيْمَرِيّ وَغَيره وَحسن أَن يَقُول تقسم التَّرِكَة بعد إِخْرَاج مَا يجب تَقْدِيمه من دين أَو وَصِيَّة إِن كَانَا
الْخَامِسَة عشرَة إِذا رأى الْمُفْتِي رقْعَة الاستفتاء وفيهَا خطّ غَيره مِمَّن هُوَ أهلٌ للْفَتْوَى وخطُّه فِيهَا مُوَافق لما عِنْده
قَالَ الْخَطِيب وَغَيره كتب تَحت خطه هَذَا جَوَاب صَحِيح وَبِه أَقُول أَو كتب جوابي مثل هَذَا وَإِن شَاءَ ذكر الحكم بِعِبَارَة ألخص من عبارَة الَّذِي كتب
وَأما إِذا رأى فِيهَا خطّ من لَيْسَ أَهلا للْفَتْوَى فَقَالَ الصَّيْمَرِيّ لَا يُفْتِي مَعَه لِأَن فِي ذَلِك تقريراً مِنْهُ لمنكرٍ بل يَضْرِب على ذَلِك بِأَمْر صَاحب الرقعة وَلَو لم يَسْتَأْذِنهُ فِي هَذَا الْقدر جَازَ لَكِن لَيْسَ لَهُ احتباس الرقعة إِلَّا بِإِذن صَاحبهَا

(1/60)


قَالَ وَله انتهار السَّائِل وزجره وتعريفه قبح مَا أَتَاهُ وَأَنه كَانَ وَاجِبا عَلَيْهِ الْبَحْث عَن أهل الْفَتْوَى وَطلب من هُوَ أهل لذَلِك وَإِن رأى فِيهَا اسْم من لَا يعرفهُ سَأَلَ عَنهُ فَإِن لم يعرفهُ فواسع أَن يمْتَنع من الْفَتْوَى مَعَه خوفًا مِمَّا قُلْنَاهُ
قَالَ وَكَانَ بَعضهم فِي مثل هَذَا يكْتب على ظهرهَا
قَالَ وَالْأولَى فِي هَذَا الْموضع أَن يشار على صَاحبهَا بإبدالها فَإِن أَبى ذَلِك أَجَابَهُ شفاها
قَالَ أَبُو عَمْرو وَإِذا خَافَ فتْنَة من الضَّرْب على فتيا العادم للأهلية وَلم تكن خطأ عدلَ إِلَى الِامْتِنَاع من الْفتيا مَعَه فَإِن غلبت فَتَاوِيهِ لتغلبه على منصبها بجاه أَو تلبيس أَو غير ذَلِك بِحَيْثُ صَار امْتنَاع الْأَهْل من الْفتيا مَعَه ضاراً بالمستفتين فليفت مَعَه فَإِن ذَلِك أَهْون الضررين وليتلطف مَعَ ذَلِك فِي إِظْهَار قصوره لمن يجهله

(1/61)


أما إِذا وجد فتيا من هُوَ أهل وَهِي خطأ مُطلقًا بمخالفتها الْقَاطِع أَو خطأ على مَذْهَب من يُفْتِي ذَلِك الْمُخطئ على مذْهبه قطعا فَلَا يجوز لَهُ الِامْتِنَاع من الْإِفْتَاء تَارِكًا للتّنْبِيه على خطئها إِذا لم يكفه ذَلِك غَيره بل عَلَيْهِ الضَّرْب عَلَيْهَا عِنْد تيسره أَو الْإِبْدَال وتقطيع الرقعة بِإِذن صَاحبهَا أَو نَحْو ذَلِك وَإِذا تعذر ذَلِك وَمَا يقوم مقَامه كتب صَوَاب جَوَابه عِنْد ذَلِك الْخَطَأ ثمَّ إِن كَانَ الْمُخطئ أَهلا للْفَتْوَى فَحسن أَن تُعَاد إِلَيْهِ بِإِذن صَاحبهَا أما إِذا وجد فِيهَا فتيا أهل للْفَتْوَى وَهِي على خلاف مَا يرَاهُ هُوَ غير أَنه لَا يقطع بخطئها فليقتصر على كتب جَوَاب نَفسه وَلَا يتَعَرَّض لفتيا غَيره بتخطئة وَلَا اعْتِرَاض
قَالَ صَاحب الْحَاوِي لَا يسوغ لمفت إِذا استفتي أَن يتَعَرَّض لجواب غَيره بردٍّ وَلَا تخطئة ويجيب بِمَا عِنْده من مُوَافقَة أَو مُخَالفَة

(1/62)


السَّادِسَة عشرَة إِذا لم يفهم الْمُفْتِي السُّؤَال أصلا وَلم يحضر صَاحب الْوَاقِعَة فَقَالَ الصَّيْمَرِيّ يكْتب يُزَاد فِي الشَّرْح لنجيب عَنهُ أَو لم أفهم مَا فِيهَا فَأُجِيب
قَالَ وَقَالَ بَعضهم لَا يكْتب شَيْئا أصلا
قَالَ وَرَأَيْت بَعضهم كتب فِي هَذَا يحضر السَّائِل لنخاطبه شفاهاً
وَقَالَ الْخَطِيب يَنْبَغِي لَهُ إِذا لم يفهم الْجَواب أَن يرشد المستفتي إِلَى مُفتٍ آخر إِن كَانَ وَإِلَّا فليمسك حَتَّى يعلم الْجَواب
قَالَ الصَّيْمَرِيّ وَإِذا كَانَ فِي رقْعَة الاستفتاء مسَائِل فُهِمَ بَعْضهَا دون بعض أَو فهمها كلهَا وَلم يرد

(1/63)


الْجَواب فِي بَعْضهَا أَو احْتَاجَ فِي بَعْضهَا إِلَى تَأمل أَو مطالعة أجَاب عمَّا أَرَادَ وَسكت عَن الْبَاقِي وَقَالَ لنا فِي الْبَاقِي نظر أَو تَأمل أَو زِيَادَة نظر
السَّابِعَة عشرَة لَيْسَ بمنكَر أَن يذكر الْمُفْتِي فِي فتواه الْحجَّة إِذا كَانَت نصا وَاضحا مُخْتَصرا
قَالَ الصَّيْمَرِيّ لَا يذكر الْحجَّة إِن أفتى عامياً ويذكرها إِن أفتى فَقِيها كمن يسْأَل عَن النِّكَاح بِلَا ولي فَحسن أَن يَقُول قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا نِكَاح إِلَّا بولِي أَو عَن رَجْعَة الْمُطلقَة بعد الدُّخُول فَيَقُول لَهُ رَجعتهَا قَالَ الله تَعَالَى {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَق بردهن} 2 سُورَة الْبَقَرَة الْآيَة 228
قَالَ وَلم تجر الْعَادة أَن يذكر فِي فتواه طَرِيق الِاجْتِهَاد ووجهة الْقيَاس وَالِاسْتِدْلَال إِلَّا أَن تتَعَلَّق الْفَتْوَى بِقَضَاء قاضٍ فيومئ فِيهَا إِلَى طَرِيق الِاجْتِهَاد ويلوح بالنكتة وَكَذَا إِذا أفتى غَيره فِيهَا بغلطٍ فيفعل

(1/64)


ذَلِك لينبه على مَا ذهب إِلَيْهِ وَلَو كَانَ فِي مَا يُفْتِي بِهِ غُموضٌ فَحسن أَن يلوح بحجته
وَقَالَ صَاحب الْحَاوِي لَا يذكر حجَّة ليفرق بَين الْفتيا والتصنيف
قَالَ وَلَو سَاغَ التجاوز إِلَى قليلٍ لساغ إِلَى كثير ولصار الْمُفْتِي مدرساً وَالتَّفْصِيل الَّذِي ذَكرْنَاهُ أولى من إِطْلَاق صَاحب الْحَاوِي الْمَنْع
وَقد يحْتَاج الْمُفْتِي فِي بعض الوقائع إِلَى أَن يشدد ويبالغ فَيَقُول وَهَذَا إِجْمَاع الْمُسلمين أَو لَا أعلم فِي هَذَا خلافًا أَو فَمن خَالف هَذَا فقد خَالف الْوَاجِب وَعدل عَن الصَّوَاب أَو فقد أَثم وَفسق أَو وعَلى ولي الْأَمر أَن يَأْخُذ بِهَذَا وَلَا يهمل الْأَمر وَمَا أشبه هَذِه الْأَلْفَاظ على حسب مَا تَقْتَضِيه الْمصلحَة وتوجبه الْحَال
الثَّامِنَة عشرَة قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو رَحمَه الله

(1/65)


لَيْسَ لَهُ إِذا استفتي فِي شَيْء من الْمسَائِل الكلامية أَن يُفْتِي بالتفصيل بل يمْنَع مستفتيه وَسَائِر الْعَامَّة من الْخَوْض فِي ذَلِك أَو فِي شَيْء مِنْهُ وَإِن قلَّ وَيَأْمُرهُمْ بِأَن يقتصروا فِيهَا على الْإِيمَان جملَة من غير تَفْصِيل ويقولوا فِيهَا وَفِي كل مَا ورد من آيَات الصِّفَات وأخبارها المتشابهة إِن الثَّابِت فِيهَا فِي نفس الْأَمر مَا هُوَ اللَّائِق فِيهَا بِجلَال الله تبَارك وَتَعَالَى وكماله وتقديسه الْمُطلق فَيَقُول ذَلِك معتقدنا فِيهَا وَلَيْسَ علينا تَفْصِيله وتعيينه وَلَيْسَ الْبَحْث عَنهُ من شَأْننَا بل نكل علم تَفْصِيله إِلَى الله تبَارك وَتَعَالَى ونصرف عَن الْخَوْض فِيهِ قُلُوبنَا وألسنتنا فَهَذَا وَنَحْوه هُوَ الصَّوَاب من أَئِمَّة الْفَتْوَى فِي ذَلِك وَهُوَ سَبِيل سلف الْأمة وأئمة الْمذَاهب الْمُعْتَبرَة وأكابر الْعلمَاء وَالصَّالِحِينَ وَهُوَ أصون وَأسلم للعامة وأشباههم وَمن كَانَ مِنْهُم اعْتقد اعتقاداً بَاطِلا تَفْصِيلًا فَفِي هَذَا صرف لَهُ عَن ذَلِك الِاعْتِقَاد الْبَاطِل بِمَا هُوَ أَهْون وأيسر وَأسلم

(1/66)


وَإِذا عزّر ولي الْأَمر من حاد مِنْهُم عَن هَذِه الطَّرِيقَة فقد تأسى بعمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ فِي تَعْزِير صبيغ بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة الَّذِي كَانَ يسْأَل عَن المتشابهات على ذَلِك
قَالَ والمتكلمون من أَصْحَابنَا معترفون بِصِحَّة هَذِه الطَّرِيقَة وبأنها أسلم لمن سلمت لَهُ وَكَانَ الْغَزالِيّ مِنْهُم فِي آخر أمره شَدِيد الْمُبَالغَة فِي الدُّعَاء إِلَيْهَا والبرهنة عَلَيْهَا وَذكر شَيْخه إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي كِتَابه الغياثي أَن الإِمَام يحرص مَا أمكنه على جمع عَامَّة الْخلق على سلوك سَبِيل السّلف فِي ذَلِك
واستفتي الْغَزالِيّ فِي كَلَام الله تبَارك وَتَعَالَى فَكَانَ من جَوَابه وَأما الْخَوْض فِي أَن كَلَامه تَعَالَى حرف وَصَوت أَو لَيْسَ كَذَلِك فَهُوَ بِدعَة وكل من يَدْعُو الْعَوام إِلَى الْخَوْض فِي هَذَا فَلَيْسَ من أَئِمَّة الدّين وَإِنَّمَا هُوَ من المضلين ومثاله من يَدْعُو الصّبيان الَّذين لَا يحسنون السباحة إِلَى خوض الْبَحْر وَمن يَدْعُو الزِّمِن

(1/67)


المقعَد إِلَى السّفر فِي البراري من غير مركوب
وَقَالَ فِي رِسَالَة لَهُ الصَّوَاب لِلْخلقِ كلهم إِلَّا الشاذ النَّادِر الَّذِي لَا تسمح الْأَعْصَار إِلَّا بِوَاحِد مِنْهُم أَو اثْنَيْنِ سلوك مَسْلَك السّلف فِي الْإِيمَان الْمُرْسل والتصديق الْمُجْمل بِكُل مَا أنزلهُ الله تَعَالَى وَأخْبر بِهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من غير بحث وتفتيش والاشتغال بالتقوى فَفِيهِ شغل شاغل
وَقَالَ الصَّيْمَرِيّ فِي كِتَابه أدب الْمُفْتِي والمستفتي إِن مِمَّا أجمع عَلَيْهِ أهل التَّقْوَى أَن من كَانَ موسوماً بالفتوى فِي الْفِقْه لم يَنْبغ وَفِي نُسْخَة لم يجز لَهُ أَن يضع خطه بفتوى فِي مَسْأَلَة من علم الْكَلَام
قَالَ وَكَانَ بَعضهم لَا يستتم قِرَاءَة مثل هَذِه الرقعة
قَالَ وَكره بَعضهم أَن يكْتب لَيْسَ هَذَا من علمنَا أَو مَا جلسنا لهَذَا أَو السُّؤَال عَن غير هَذَا

(1/68)


أولى بل لَا يتَعَرَّض لشَيْء من ذَلِك
وَحكى الإِمَام الْحَافِظ الْفَقِيه أَبُو عمرابن عبد الْبر الِامْتِنَاع من الْكَلَام فِي كل ذَلِك عَن الْفُقَهَاء وَالْعُلَمَاء قَدِيما وحديثاً من أهل الحَدِيث وَالْفَتْوَى قَالَ وَإِنَّمَا خَالف ذَلِك أهل الْبدع
قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو ابْن الصّلاح فَإِن كَانَت الْمَسْأَلَة مِمَّا يُؤمن فِي تَفْصِيل جوابها من ضَرَر الْخَوْض الْمَذْكُور جَازَ الْجَواب تَفْصِيلًا وَذَلِكَ بِأَن يكون جوابها مُخْتَصرا مفهوماً لَيْسَ لَهَا أَطْرَاف يتجاذبها المتنازعون وَالسُّؤَال عَنهُ صادر عَن مسترشد خَاص منقاد أَو من عَامَّة قَليلَة التَّنَازُع والمماراة والمفتي مِمَّن ينقادون لفتواه وَنَحْو هَذَا وعَلى هَذَا وَنَحْوه يحمل مَا جَاءَ عَن بعض السّلف من بغض الْفَتْوَى فِي بعض الْمسَائِل الكلامية وَذَلِكَ مِنْهُم قَلِيل نَادِر وَالله أعلم
التَّاسِعَة عشرَة قَالَ الصَّيْمَرِيّ والخطيب

(1/69)


رحمهمَا الله وَإِذا سُئِلَ فَقِيه عَن مسألةٍ من تَفْسِير الْقُرْآن الْعَزِيز فَإِن كَانَت تتَعَلَّق بِالْأَحْكَامِ أجَاب عَنْهَا وَكتب خطه بذلك كمن سُئِلَ عَن الصَّلَاة الْوُسْطَى والقرء وَمن بِيَدِهِ عقدَة النِّكَاح وَإِن كَانَت لَيست من مسَائِل الْأَحْكَام كالسؤال عَن الرقيم والنقير والقطمير والغسلين رده إِلَى أَهله ووكله إِلَى من نصب نَفسه لَهُ من أهل التَّفْسِير وَلَو أَجَابَهُ شفاها لم يستقبح هَذَا كَلَام الصَّيْمَرِيّ والخطيب
وَلَو قيل إِنَّه يحسن كِتَابَته للفقيه الْعَارِف بِهِ لَكَانَ حسنا وَأي فرق بَينه وَبَين مسَائِل الْأَحْكَام وَالله أعلم

(1/70)

















7.

















































[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]





آداب الفتوى والمفتي والمستفتي

فصل فِي آدَاب المستفتي وَصفته وَأَحْكَامه

فِيهِ مسَائِل
إِحْدَاهَا فِي صفة المستفتي
كل من لم يبلغ دَرَجَة الْمُفْتِي فَهُوَ فِيمَا يسْأَل عَنهُ من الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة مُستفتٍ مقلِّد من يفتيه وَالْمُخْتَار فِي التَّقْلِيد أَنه قبُول قولِ من يجوز عَلَيْهِ الْإِصْرَار على الْخَطَأ بِغَيْر حجّة على عين مَا قبل قَوْله فِيهِ وَيجب عَلَيْهِ الاستفتاء إِذا نزلت بِهِ حَادِثَة يجب عَلَيْهِ علم حكمهَا فَإِن لم يجد بِبَلَدِهِ من يستفتيه وَجب عَلَيْهِ الرحيل إِلَى من يفتيه وَإِن بَعدت دَاره وَقد رَحل خلائق من السّلف فِي الْمَسْأَلَة الْوَاحِدَة اللَّيَالِي وَالْأَيَّام
الثَّانِيَة يجب عَلَيْهِ قطعا الْبَحْث الَّذِي يعرف بِهِ أَهْلِيَّة من يستفتيه للإفتاء إِذا لم يكن عَارِفًا بأهليته

(1/71)


فَلَا يجوز لَهُ استفتاء من انتسب إِلَى الْعلم وانتصب للتدريس والإقراء وَغير ذَلِك من مناصب الْعلمَاء بِمُجَرَّد انتسابه وانتصابه لذَلِك وَيجوز استفتاء من استفاض كَونه أَهلا للْفَتْوَى
وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا الْمُتَأَخِّرين إِنَّمَا يعْتَمد قَوْله أَنا أهل للْفَتْوَى لَا شهرته بذلك وَلَا يَكْتَفِي بالاستفاضة وَلَا بالتواتر لِأَن الاستفاضة والشهرة بَين الْعَامَّة لَا يوثق بهَا وَقد يكون أَصْلهَا التلبيس وَأما التَّوَاتُر فَلَا يُفِيد الْعلم إِذا لم يسْتَند إِلَى مَعْلُوم محسوس
وَالصَّحِيح هُوَ الأول لِأَن إقدامه عَلَيْهَا إخبارٌ مِنْهُ بأهليته فَإِن الصُّورَة مَفْرُوضَة فِيمَن وثق بديانته
وَيجوز استفتاء من أخبر الْمَشْهُور الْمَذْكُور بأهليته
قَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ المُصَنّف رَحمَه الله وَغَيره يقبل فِي أَهْلِيَّته خبر الْعدْل الْوَاحِد

(1/72)


قَالَ أَبُو عَمْرو وَيَنْبَغِي أَن يشْتَرط فِي الْمخبر أَن يكون عِنْده من الْعلم وَالْبَصَر مَا يُمَيّز بِهِ الملتبس من غَيره وَلَا يعْتَمد فِي ذَلِك على خبر آحَاد الْعَامَّة لِكَثْرَة مَا يتَطَرَّق إِلَيْهِم من التلبيس فِي ذَلِك
وَإِذا اجْتمع اثْنَان فَأكْثر مِمَّن يجوز استفتاؤهم فَهَل يجب عَلَيْهِ الِاجْتِهَاد فِي أعيانهم والبحث عَن الأعلم والأورع والأوثق ليقلده دون غَيره فِيهِ وَجْهَان
أَحدهمَا لَا يجب بل لَهُ استفتاء من شَاءَ مِنْهُم لِأَن الْجَمِيع أهل وَقد أسقطنا الِاجْتِهَاد عَن الْعَاميّ وَهَذَا الْوَجْه هُوَ الصَّحِيح عِنْد أَصْحَابنَا الْعِرَاقِيّين قَالُوا وَهُوَ قَول أَكثر أَصْحَابنَا
وَالثَّانِي يجب ذَلِك لِأَنَّهُ يُمكنهُ هَذَا الْقدر من الِاجْتِهَاد بالبحث وَالسُّؤَال وشواهد الْأَحْوَال وَهَذَا الْوَجْه قَول أبي الْعَبَّاس ابْن سُرَيج وَاخْتِيَار الْقفال الْمروزِي وَهُوَ الصَّحِيح عِنْد القَاضِي حُسَيْن وَالْأول أظهر وَهُوَ الظَّاهِر من حَال الْأَوَّلين

(1/73)


قَالَ أَبُو عَمْرو رَحمَه الله لَكِن مَتى اطلع على الأوثق فَالْأَظْهر أَنه يلْزمه تَقْلِيده كَمَا يجب تَقْدِيم أرجح الدَّلِيلَيْنِ وأوثق الرِّوَايَتَيْنِ فعلى هَذَا يلْزمه تَقْلِيد الأورع من الْعَالمين والأعلم من الورعين فَإِن كَانَ أَحدهمَا أعلم وَالْآخر أورع قلد الأعلم على الْأَصَح
وَفِي جَوَاز تَقْلِيد الْمَيِّت وَجْهَان
الصَّحِيح جَوَازه لِأَن الْمذَاهب لَا تَمُوت بِمَوْت أَصْحَابهَا وَلِهَذَا يعْتد بهَا بعدهمْ فِي الْإِجْمَاع وَالْخلاف وَلِأَن موت الشَّاهِد قبل الحكم لَا يمْنَع الحكم بِشَهَادَتِهِ بِخِلَاف فسقه
وَالثَّانِي لَا يجوز لفَوَات أَهْلِيَّته كالفاسق وَهَذَا ضَعِيف لَا سِيمَا فِي هَذِه الْأَعْصَار
الثَّالِث هَل يجوز للعامي أَن يتَخَيَّر ويقلد أَي مَذْهَب شَاءَ

(1/74)


قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو ابْن الصّلاح ينظر إِن كَانَ منتسباً إِلَى مَذْهَب بنيناه على وَجْهَيْن حَكَاهُمَا القَاضِي حُسَيْن فِي أَن الْعَاميّ هَل لَهُ مَذْهَب أم لَا
أَحدهمَا لَا مَذْهَب لَهُ لِأَن الْمَذْهَب لعارف الْأَدِلَّة فعلى هَذَا أَن يستفتي من شَاءَ من حَنَفِيّ وشافعي وَغَيرهمَا
وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَصَح عِنْد القفَّال لَهُ مَذْهَب فَلَا يجوز لَهُ مُخَالفَته
وَقد ذكرنَا فِي الْمُفْتِي المنتسب مَا يجوز لَهُ أَن يُخَالف إِمَامه فِيهِ وَإِن لم يكن منتسباً بني على وَجْهَيْن حَكَاهُمَا ابْن برهَان فِي أَن الْعَاميّ هَل يلْزمه أَن يتمذهب بِمذهب معِين يَأْخُذ بِرُخصِهِ وعزائمه
أَحدهمَا لَا يلْزمه كَمَا لم يلْزمه فِي الْعَصْر الأول أَن يخص بتقليده عَالما بِعَيْنِه فعلى هَذَا هَل لَهُ أَن يستفتي من شَاءَ أم يجب عَلَيْهِ الْبَحْث عَن أَشد الْمذَاهب

(1/75)


وأصحهما أصلا ليقلد أَهله
فِيهِ وَجْهَان مذكوران كالوجهين السَّابِقين فِي الْبَحْث عَن الأعلم والأوثق من المفتيين
وَالثَّانِي يلْزمه وَبِه قطع أَبُو الْحسن إِلْكيَا وَهُوَ جارٍ فِي كل من لم يبلغ رُتْبَة الِاجْتِهَاد من الْفُقَهَاء وَأَصْحَاب سَائِر الْعُلُوم وَوَجهه أَنه لَو جَازَ اتِّبَاع أَي مَذْهَب شَاءَ لأفضى إِلَى أَن يلتقط رخص الْمذَاهب مُتبعا هَوَاهُ وَيتَخَيَّر بَين التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم وَالْوُجُوب وَالْجَوَاز وَذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى انحلال ربقة التَّكْلِيف بِخِلَاف الْعَصْر الأول فَإِنَّهُ لم تكن الْمذَاهب الوافية بِأَحْكَام الْحَوَادِث مهذّبة وَعرفت فعلى هَذَا يلْزمه أَن يجْتَهد فِي اخْتِيَار مَذْهَب يقلده على التَّعْيِين وَنحن نمهد لَهُ طَرِيقا يسلكه فِي اجْتِهَاده سهلاً فَنَقُول أَولا لَيْسَ لَهُ أَن يتبع فِي ذَلِك مُجَرّد التشهي والميل إِلَى مَا وجد عَلَيْهِ آباءه وَلَيْسَ لَهُ التمذهب بِمذهب أحد من أَئِمَّة الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم وَغَيرهم من الْأَوَّلين وَإِن

(1/76)


كَانُوا أعلم وأعلا دَرَجَة مِمَّن بعدهمْ لأَنهم لم يتفرغوا لتدوين الْعلم وَضبط أُصُوله وفروعه فَلَيْسَ لأحد مِنْهُم مَذْهَب مهذب مُحَرر مُقَرر وَإِنَّمَا قَامَ بذلك من جَاءَ بعدهمْ من الْأَئِمَّة الناخلين لمذاهب الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ القائمين بتمهيد أَحْكَام الوقائع قبل وُقُوعهَا الناهضين بإيضاح أُصُولهَا وفروعها كمالك وَأبي حنيفَة وَغَيرهمَا
وَلما كَانَ الشَّافِعِي قد تَأَخّر عَن هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة فِي الْعَصْر وَنظر فِي مذاهبهم نَحْو نظرهم فِي مَذَاهِب من قبلهم فسبرها وخبرها وانتقدها وَاخْتَارَ أرجحها وَوجد من قبله قد كَفاهُ مؤونة التَّصْوِير والتأصيل فتفرغ للاختيار وَالتَّرْجِيح والتكميل والتنقيح مَعَ كَمَال مَعْرفَته وبراعته فِي الْعُلُوم وترجحه فِي ذَلِك على من سبقه ثمَّ لم يُوجد بعده من بلغ مَحَله فِي ذَلِك كَانَ مذْهبه أولى الْمذَاهب بالاتباع والتقليد وَهَذَا مَعَ مَا فِيهِ من الْإِنْصَاف والسلامة من الْقدح فِي أحد من الْأَئِمَّة جلي وَاضح إِذا تَأمله الْعَاميّ قَادَهُ إِلَى اخْتِيَار مَذْهَب

(1/77)


الشَّافِعِي والتمذهب بِهِ
الرَّابِعَة إِذا اخْتلف عَلَيْهِ فَتْوَى مفتيين فَفِيهِ خَمْسَة أوجه للأصحاب
أَحدهَا يَأْخُذ بأغلظهما
وَالثَّانِي بأخفهما
وَالثَّالِث يجْتَهد فِي الأولى فَيَأْخُذ بفتوى الأعلم الأورع كَمَا سبق إيضاحه وَاخْتَارَهُ السَّمْعَانِيّ الْكَبِير وَنَصّ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ على مثله فِي الْقبْلَة
وَالرَّابِع يسْأَل مفتياً آخر فَيَأْخُذ بفتوى من وَافقه
وَالْخَامِس يتَخَيَّر فَيَأْخُذ بقول أَيهمَا شَاءَ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح عِنْد الشَّيْخ أبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ المُصَنّف

(1/78)


وَعند الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ وَنَقله الْمحَامِلِي فِي أول الْمَجْمُوع عَن أَكثر أَصْحَابنَا وَاخْتَارَهُ صَاحب الشَّامِل فِيمَا إِذا تساوى المفتيان فِي نَفسه
وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو الْمُخْتَار أَن عَلَيْهِ أَن يبْحَث عَن الْأَرْجَح فَيعْمل بِهِ فَإِنَّهُ حكم التَّعَارُض فيبحث عَن الأوثق من المفتيين فَيعْمل بفتواه وَإِن لم يتَرَجَّح عِنْده أَحدهمَا استفتى آخر وَعمل بفتوى من وَافقه فَإِن تعذر ذَلِك وَكَانَ اخْتِلَافهمَا فِي التَّحْرِيم وَالْإِبَاحَة وَقبل الْعَمَل اخْتَار التَّحْرِيم فَإِنَّهُ أحوط وَإِن تَسَاويا من كل وَجه خيرناه بَينهمَا وَإِن أَبينَا التَّخْيِير فِي غَيره لِأَنَّهُ ضَرُورَة وَفِي صُورَة نادرة
قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو ابْن الصّلاح ثمَّ إِنَّمَا نخاطب بِمَا ذَكرْنَاهُ المفتيين وَأما الْعَاميّ الَّذِي وَقع لَهُ ذَلِك فَحكمه أَن يسْأَل عَن ذَلِك ذَيْنك المفتيين أَو مفتياً آخر وَقد أرشدنا الْمُفْتِي إِلَى مَا يجِيبه بِهِ

(1/79)


وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ الشَّيْخ ابْن الصّلاح لَيْسَ بِقَوي بل الْأَظْهر أحد الْأَوْجه الثَّلَاثَة وَهِي الثَّالِث وَالرَّابِع وَالْخَامِس وَالظَّاهِر أَن الْخَامِس أظهرها لِأَنَّهُ لَيْسَ من أهل الِاجْتِهَاد وَإِنَّمَا فَرْضه أَن يُقَلّد عَالما أَهلا لذَلِك وَقد فعل ذَلِك بِأَخْذِهِ بقول من شَاءَ مِنْهَا وَالْفرق بَينه وَبَين مَا نَص عَلَيْهِ فِي الْقبْلَة أَن أمارتها حسية فإدراك صوابها أقرب فَيظْهر التَّفَاوُت بَين الْمُجْتَهدين فِيهَا والفتاوى أمارتها معنوية فَلَا يظْهر كَبِير تفَاوت بَين الْمُجْتَهدين وَالله أعلم
الْخَامِسَة قَالَ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ إِذا لم يكن فِي الْموضع الَّذِي هُوَ فِيهِ مفت إِلَّا وَاحِد فأفتاه لزمَه فتواه
وَقَالَ أَبُو المظفر السَّمْعَانِيّ رَحمَه الله إِذا سمع المستفتي جَوَاب الْمُفْتِي لم يلْزمه الْعَمَل بِهِ إِلَّا بالتزامه
قَالَ وَيجوز أَن يُقَال إِنَّه يلْزمه إِذا أَخذ فِي الْعَمَل بِهِ وَقيل يلْزمه إِذا وَقع فِي نَفسه صِحَّته

(1/80)


قَالَ السَّمْعَانِيّ وَهَذَا أولى الْأَوْجه
قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو لم أجد هَذَا لغيره وَقد حكى هُوَ بعد ذَلِك عَن بعض الْأُصُولِيِّينَ أَنه إِذا أفتاه بِمَا هُوَ مُخْتَلف فِيهِ خَيره بَين أَن يقبل مِنْهُ أَو من غَيره ثمَّ اخْتَار هُوَ أَنه يلْزمه الِاجْتِهَاد فِي أَعْيَان الْمُفْتِينَ وَيلْزمهُ الْأَخْذ بِفُتْيَا من اخْتَارَهُ بِاجْتِهَادِهِ
قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو وَالَّذِي تَقْتَضِيه الْقَوَاعِد أَن نفصل فَنَقُول إِذا أفتاه الْمُفْتِي نظر فَإِن لم يُوجد مفت آخر لزمَه الْأَخْذ بفتياه وَلَا يتَوَقَّف ذَلِك على الْتِزَامه لَا بِالْأَخْذِ فِي الْعَمَل بِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ وَلَا يتَوَقَّف أَيْضا على سُكُون نَفسه إِلَى صِحَّته
وَإِن وجد مفت آخر فَإِن استبان أَن الَّذِي أفتاه هُوَ الأعلم الأوثق لزمَه مَا أفتاه بِهِ بِنَاء على الْأَصَح فِي تعينه كَمَا سبق وَإِن لم يستبن ذَلِك لم يلْزمه مَا أفتاه بِمُجَرَّد إفتائه إِذْ يجوز لَهُ استفتاء غَيره وتقليده

(1/81)


وَلَا يعلم اتِّفَاقهمَا فِي الْفَتْوَى فَإِن وجد الِاتِّفَاق أَو حكم بِهِ عَلَيْهِ حَاكم لزمَه حِينَئِذٍ
السَّادِسَة إِذا استفتي فَأفْتى ثمَّ حدثت تِلْكَ الْوَاقِعَة لَهُ مرّة أُخْرَى فَهَل يلْزمه تَجْدِيد السُّؤَال
فِيهِ وَجْهَان
أَحدهمَا يلْزمه لاحْتِمَال تغير رَأْي الْمُفْتِي
وَالثَّانِي لَا يلْزمه وَهُوَ الْأَصَح لِأَنَّهُ قد عرف الحكم الأول وَالْأَصْل اسْتِمْرَار الْمُفْتى عَلَيْهِ

(1/82)


وخصص صَاحب الشَّامِل الْخلاف بِمَا إِذا قلد حَيا وَقطع فِيمَا إِذا كَانَ ذَلِك خَبرا عَن ميت بِأَنَّهُ لَا يلْزمه وَالصَّحِيح أَنه لَا يخْتَص فَإِن الْمُفْتِي على مَذْهَب الْمَيِّت قد يتَغَيَّر جَوَابه على مذْهبه
السَّابِعَة أَن يستفتي بِنَفسِهِ وَله أَن يبْعَث ثِقَة يعْتَمد خَبره لِيَسْتَفْتِيَ لَهُ وَله الِاعْتِمَاد على خطّ الْمُفْتِي إِذا أخبرهُ من يَثِقُ بقوله أَنه خطه أَو كَانَ يعرف خطه وَلم يتشكك فِي كَون ذَلِك الْجَواب بِخَطِّهِ
الثَّامِنَة يَنْبَغِي للمستفتي أَن يتأدب مَعَ الْمُفْتِي ويبجله فِي خطابه وَجَوَابه وَنَحْو ذَلِك وَلَا يُومِئ بِيَدِهِ فِي وَجهه وَلَا يقل لَهُ مَا تحفظ فِي كَذَا أَو مَا مَذْهَب إمامك أَو الشَّافِعِي فِي كَذَا وَلَا يقل إِذا أَجَابَهُ هَكَذَا قلتُ أَنا أَو كَذَا وَقع لي وَلَا يقل أفتاني فلَان أَو غَيْرك بِكَذَا وَلَا يقل إِن كَانَ جوابك مُوَافقا لمن كتب فَاكْتُبْ وَإِلَّا فَلَا تكْتب وَلَا يسْأَله وَهُوَ قَائِم أَو مستوفز أَو على ضجر أَو هم أَو غير ذَلِك مِمَّا يشغل الْقلب

(1/83)


وَيَنْبَغِي أَن يبْدَأ بالأسن الأعلم من الْمُفْتِينَ وبالأولى فَالْأولى إِن أَرَادَ جمع الْأَجْوِبَة فِي رقْعَة فَإِن أَرَادَ إِفْرَاد الْأَجْوِبَة فِي رقاع بَدَأَ بِمن شَاءَ وَتَكون رقْعَة الاستفتاء وَاسِعَة ليتَمَكَّن الْمُفْتِي من اسْتِيفَاء الْجَواب وَاضحا لَا مُخْتَصرا مضراً بالمستفتي وَلَا يدع الدُّعَاء فِي رقْعَة لمن يستفتيه
قَالَ الصَّيْمَرِيّ فَإِن اقْتصر على فَتْوَى وَاحِد قَالَ مَا تَقول رَحِمك الله أَو رَضِي الله عَنْك أَو وفقك الله وسددك وَرَضي عَن والديك وَلَا يحسن أَن يَقُول رحمنا الله وَإِيَّاك
وَإِن أَرَادَ جَوَاب جمَاعَة قَالَ مَا تَقولُونَ رَضِي الله عَنْكُم أَو مَا تَقول الْفُقَهَاء سددهم الله تَعَالَى
وَيدْفَع الرقعة إِلَى الْمُفْتِي منشورة ويأخذها منشورة فَلَا يحوجه إِلَى نشرها وَلَا إِلَى طيها

(1/84)


التَّاسِعَة يَنْبَغِي أَن يكون كَاتب الرقعة مِمَّن يحسن السُّؤَال ويضعه على الْغَرَض مَعَ إبانة الْخط وَاللَّفْظ وصيانتهما عَمَّا يتَعَرَّض للتصحيف
قَالَ الصَّيْمَرِيّ يحرص أَن يكون كاتبها من أهل الْعلم وَكَانَ بعض الْفُقَهَاء مِمَّن لَهُ رياسة لَا يُفْتِي إِلَّا فِي رقْعَة كتبهَا رجل بِعَيْنِه من أهل الْعلم بِبَلَدِهِ
وَيَنْبَغِي للعامي أَن لَا يُطَالب الْمُفْتِي بِالدَّلِيلِ وَلَا يقل لم قلتَ فَإِن أحبَّ أَن تسكن نَفسه بِسَمَاع الْحجَّة طلبَهَا فِي مجْلِس آخر أَو فِي ذَلِك الْمجْلس بعد قبُول الْفَتْوَى مُجَرّدَة
وَقَالَ السَّمْعَانِيّ لَا يمْنَع من طلب الدَّلِيل وَأَنه يلْزم الْمُفْتِي أَن يذكر لَهُ الدَّلِيل إِن كَانَ مَقْطُوعًا بِهِ وَلَا يلْزمه إِن لم يكن مَقْطُوعًا بِهِ لافتقاره إِلَى اجْتِهَاد يقصر فهم الْعَاميّ عَنهُ
وَالصَّوَاب الأول

(1/85)


الْعَاشِرَة إِذا لم يجد صَاحب الْوَاقِعَة مفتيًا وَلَا أحدا ينْقل لَهُ حكم واقعته لَا فِي بَلَده وَلَا فِي غَيره
قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو ابْن الصّلاح هَذِه مسألةُ فَترة الشَّرِيعَة الْأُصُولِيَّة وَحكمهَا حكم مَا قبل وُرُود الشَّرْع وَالصَّحِيح فِي كل ذَلِك القَوْل بِانْتِفَاء التَّكْلِيف عَن العَبْد وَأَنه لَا يثبت فِي حَقه حكم لَا إِيجَاب وَلَا تَحْرِيم وَلَا غير ذَلِك فَلَا يؤآخذ إِذا صَاحب الْوَاقِعَة بِأَيّ شَيْء صنعه فِيهَا وَالله أعلم

(1/86)

















الاخر

روابط ط

  estekmalkanonalhkalelahy.blogspot.com https://estekmalkanonalhkalelahy.blogspot.com/2023/11/blog-post.html estekmalkanonalhkalelahy.blogsp...