حمل المصحف بكل صيغه

//

الثانوية العامة ٣ثانوي. /عقوبة من قتل نفسه؟/ وصف الجنة والحور العين /المدونة التعليمبة الثانية أسماء صلاح ٣.ثانوي عام/ الفتن ونهاية العالم /المقحمات ا.قانون الحق الإلهي اا /القرانيون الفئة الضالة اوه /قواعد وثوابت قرانية / مسائل صحيح مسلم وشروح النووي الخاطئة عليها اوهو /المسائل الفقهية في النكاح والطلاق والمتعة والرجعة /مدونة الصفحات المقتوحة /الخوف من الله الواحد؟ /قانون ثبات سنة الله في الخلق /اللهم ارحم أبي وأمي والصالحين /السيرة النبوية /مدونة {استكمال} مدونة قانون الحق الإلهي /مدونة الحائرين /الجنة ومتاعها والنار وسوء جحيمها عياذا بالله الواحد. /لابثين فيها أحقابا /المدونة المفتوحة /نفحات من سورة الزمر /أُمَّاهُ عافاكِ الله ووالدي ورضي عنكما ورحمكما/ ترجمة معان القران /مصنفات اللغة العربية /كتاب الفتن علامات القيامة لابن كثير /قانون العدل الإلهي /الفهرست /جامعة المصاحف /قانون الحق الإلهي /تخريجات أحاديث الطلاق متنا وسندا /تعلم للتفوق بالثانوية العامة /مدونات لاشين /الرافضة /قانون الحق الألهي ٣ /قانون الحق الإلهي٤. /حدود التعاملات العقائدية بين المسلمين /المقحمات اا. /منصة الصلاة اا /مدونة تخفيف//

 حمل المصحف القرآن الكريم وورد word doc icon تحميل المصحف الشريف بصيغة pdf تحميل القرآن الكريم مكتوب بصيغة وورد تحميل سورة العاديات مكتوبة pdf 

تفسير المرسلات* جواهر القران لأبي حامد الغزالي *كتاب جواهر القرآن أبو حامد الغزالي

Translate

الجمعة، 18 نوفمبر 2022

باب مَنْ كَرِهَ أَنْ يُكَثِّرَ سَوَادَ الْفِتَنِ وَالظُّلْمِ

 

باب مَنْ كَرِهَ أَنْ يُكَثِّرَ سَوَادَ الْفِتَنِ وَالظُّلْمِ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏باب من كره أن يكثر‏)‏ بالتشديد ‏(‏سواد الفتن والظلم‏)‏ أي أهلهما، والمراد بالسواد وهو بفتح المهملة وتخفيف الواو الأشخاص، وقد جاء عن ابن مسعود مرفوعا ‏"‏ من كثر سواد قوم فهو منهم، ومن رضي عمل قوم كان شريك من عمل به ‏"‏ أخرجه أبو يعلى، وفيه قصة لابن مسعود، وله شاهد عن أبي ذر في الزهد لابن المبارك غير مرفوع‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنَا حَيْوَةُ وَغَيْرُهُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ وَقَالَ اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ قَالَ قُطِعَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ بَعْثٌ فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ فَأَخْبَرْتُهُ فَنَهَانِي أَشَدَّ النَّهْيِ ثُمَّ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ أُنَاسًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوَادَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَأْتِي السَّهْمُ فَيُرْمَى فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ أَوْ يَضْرِبُهُ فَيَقْتُلُهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏حدثنا حيوة‏)‏ بفتح المهملة والواو بينهما ياء آخر الحروف ساكنة‏.‏

قوله ‏(‏وغيره‏)‏ كأنه يريد ابن لهيعة، فإنه رواه عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن أيضا، وقد رواه عنه أيضا الليث، لكن أخرج البخاري هذا الحديث في تفسير سوره النساء عن عبد الله بن يزيد شيخه فيه هنا بسنده هذا وقال بعده ‏"‏ رواه الليث عن أبي الأسود ‏"‏ وقد رويناه موصولا في ‏"‏ معجم الطبراني الأوسط ‏"‏ من طريق أبي صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث ‏"‏ حدثني الليث عن أبي الأسود عن عكرمة ‏"‏ فذكر الحديث دون القصة، قال الطبراني‏:‏ لم يروه عن أبي الأسود إلا الليث وابن لهيعة‏.‏

قلت‏:‏ ووهم في هذا الحصر لوجود رواية حيوة المذكورة، وقد أخرجه الإسماعيلي من وجه آخر عن المقبري عن حيوة وحده به، وقد ذكرت من وصل رواية ابن لهيعة في تفسير سورة النساء مع شرح الحديث‏.‏

وقوله ‏(‏فيأتي السهم فيرمى به‏)‏ قيل هو من القلب والتقدير فيرمى بالسهم فيأتي‏.‏

قلت‏:‏ ويحتمل أن تكون الفاء الثانية زائدة، وثبت كذلك لأبي ذر في سورة النساء ‏"‏ فيأتي السهم يرمي به‏"‏‏.‏

و قوله ‏(‏أو يضربه‏)‏ معطوف على ‏"‏ فيأتي ‏"‏ لا على ‏"‏ فيصيب ‏"‏ أي يقتل إما بالسهم‏.‏

وإما بالسيف، وفيه تخطئة من يقيم بين أهل المعصية باختياره لا لقصد صحيح من إنكار عليهم مثلا أو رجاء إنقاذ مسلم من هلكة، وأن القادر على التحول عنهم لا يعذر كما وقع للذين كانوا أسلموا ومنعهم المشركون من أهلهم من الهجرة ثم كانوا يخرجون مع المشركين لا لقصد قتال المسلمين بل لإيهام كثرتهم في عيون المسلمين فحصلت لهم المؤاخذة بذلك، فرأى عكرمة أن من خرج في جيش يقاتلون المسلمين يأثم وإن لم يقاتل ولا نوى ذلك؛ ويتأيد ذلك في عكسه بحديث ‏"‏ هم القوم لا يشقى بهم جليسهم ‏"‏ كما مضى ذكره في كتاب الرقاق‏.‏

*3*http://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifباب إِذَا بَقِيَ فِي حُثَالَةٍ مِنْ النَّاسِ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏باب إذا بقي‏)‏ أي المسلم ‏(‏في حثالة من الناس‏)‏ أي ماذا يصنع‏؟‏ والحثالة بضم المهملة وتخفيف المثلثة وتقدم تفسيرها في أوائل كتاب الرقاق، وهذه الترجمة لفظ حديث أخرجه الطبري وصححه ابن حبان من طريق العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبي هريرة قال ‏"‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ كيف بك يا عبد الله بن عمرو إذا بقيت في حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وأماناتهم واختلفوا فصاروا هكذا، وشبك بين أصابعه‏.‏

قال‏:‏ فما تأمرني‏؟‏ قال‏:‏ عليك بخاصتك، ودع عنك عوامهم ‏"‏ قال ابن بطال‏:‏ أشار البخاري إلى هذا الحديث ولم يخرجه لأن العلاء ليس من شرطه فأدخل معناه في حديث حذيفة‏.‏

قلت‏:‏ يجتمع معه في قلة الأمانة وعدم الوفاء بالعهد وشدة الاختلاف، وفي كل منهما زيادة ليست في الآخر، وقد ورد عن ابن عمر مثل حديث أبي هريرة أخرجه حنبل بن إسحاق في كتاب الفتن من طريق عاصم بن محمد عن أخيه واقد وتقدم في أبواب المساجد من كتاب الصلاة من طريق واقد وهو محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، سمعت أبي يقول قال عبد الله بن عمر ‏"‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عبد الله بن عمرو كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس ‏"‏ إلى هنا انتهى ما في البخاري وبقيته عند حنبل مثل حديث أبي هريرة سواء وزاد ‏"‏ قال‏:‏ فكيف تأمرني يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ تأخذ بما تعرف وتدع ما تنكر، وتقبل على خاصتك وتدع عوامهم ‏"‏ وأخرجه أبو يعلى من هذا الوجه‏.‏

وأخرج الطبراني من حديث عبد الله بن عمرو نفسه من طرق بعضها صحيح الإسناد وفيه ‏"‏ قالوا كيف بنا يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ تأخذون ما تعرفون ‏"‏ فذكر مثله بصيغة الجمع في جميع ذلك، وأخرجه الطبراني وابن عدي من طريق عبد الحميد بن جعفر بن الحكم عن أبيه عن علباء بكسر المهملة وسكون اللام بعدها موحدة ومد رفعه ‏"‏ لا تقوم الساعة إلا على حثالة الناس ‏"‏ الحديث، وللطبراني من حديث سهل ابن سعد قال ‏"‏ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في مجلس فيه عمرو بن العاص وابناه فقال ‏"‏ فذكر مثله وزاد ‏"‏ وإياكم والتلون في دين الله‏"‏‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ حَدَّثَنَا حُذَيْفَةُ قَالَ حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثَيْنِ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الْآخَرَ حَدَّثَنَا أَنَّ الْأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنْ السُّنَّةِ وَحَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِهَا قَالَ يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الْوَكْتِ ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ فَيَبْقَى فِيهَا أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الْمَجْلِ كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ وَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ فَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الْأَمَانَةَ فَيُقَالُ إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلًا أَمِينًا وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ مَا أَعْقَلَهُ وَمَا أَظْرَفَهُ وَمَا أَجْلَدَهُ وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ وَلَا أُبَالِي أَيُّكُمْ بَايَعْتُ لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا رَدَّهُ عَلَيَّ الْإِسْلَامُ وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا رَدَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ وَأَمَّا الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ أُبَايِعُ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏حدثنا محمد بن كثير‏)‏ تقدم بهذا السند في كتاب الرقاق في ‏"‏ باب رفع الأمانة ‏"‏ وإن الجذر الأصل وتفتح جيمه وتكسر‏.‏

قوله ‏(‏ثم علموا من القرآن ثم علموا من السنة‏)‏ كذا في هذه الرواية بإعادة ثم، وفيه إشارة إلى أنهم كانوا يتعلمون القرآن قبل أن يتعلموا السنن، والمراد بالسنن ما يتلقونه عن النبي صلى الله عليه وسلم واجبا كان أو مندوبا‏.‏

قوله ‏(‏وحدثنا عن رفعها‏)‏ هذا هو الحديث الثاني الذي ذكر حذيفة أنه ينتظره وهو رفع الأمانة أصلا حتى لا يبقى من يوصف بالأمانة إلا النادر، ولا يعكر على ذلك ما ذكره في آخر الحديث مما يدل على قلة من ينسب للأمانة فإن ذلك بالنسبة إلى حال الأولين، فالذين أشار إليهم بقوله ‏"‏ ما كنت أبايع إلا فلانا وفلانا ‏"‏ هم من أهل العصر الأخير الذي أدركه والأمانة فيهم بالنسبة إلى العصر الأول أقل، وأما الذي ينتظره فإنه حيث تفقد الأمانة من الجميع إلا النادر‏.‏

قوله ‏(‏فيظل أثرها‏)‏ أي يصير وأصل ‏"‏ ظل ‏"‏ ما عمل بالنهار ثم أطلق على كل وقت، وهي هنا على بابها لأنه ذكر الحالة التي تكون بعد النوم وهي غالبا تقع عند الصبح، والمعنى أن الأمانة تذهب حتى لا يبقى منها إلا الأثر الموصوف في الحديث‏.‏

قوله ‏(‏مثل أثر الوكت‏)‏ بفتح الواو وسكون الكاف بعدها مثناة، تقدم تفسيره في الرقاق وأنه سواد في اللون، وكذا المجل وهو بفتح الميم وسكون الجيم أثر العمل في اليد‏.‏

قوله ‏(‏فنفط‏)‏ بكسر الفاء بعد النون المفتوحة أي صار منتفطا وهو المنتبر بنون ثم مثناة ثم موحدة يقال انتبر الجرح وانتفط إذا ورم وامتلأ ماء وحاصل الخبر أنه أنذر برفع الأمانة وأن الموصوف بالأمانة يسلبها حتى يصير خائنا بعد أن كان أمينا، وهذا إنما يقع على ما هو شاهد لمن خالط أهل الخيانة فإنه يصير خائنا لأن القرين يقتدي بقرينه‏.‏

قوله ‏(‏ولقد أتى علي زمان إلخ‏)‏ يشير إلى أن حال الأمانة أخذ في النقص من ذلك الزمان، وكانت وفاة حذيفة في أول سنة ست وثلاثين بعد قتل عثمان بقليل، فأدرك بعض الزمن الذي وقع فيه التغير فأشار إليه، قال ابن التين‏:‏ الأمانة كل ما يخفى ولا يعلمه إلا الله من المكلف‏.‏

وعن ابن عباس‏:‏ هي الفرائض التي أمروا بها ونهوا عنها، وقيل هي الطاعة، وقيل التكاليف، وقيل العهد الذي أخذه الله على العباد‏.‏

وهذا الاختلاف وقع في تفسير الأمانة المذكورة في الآية ‏(‏إنا عرضنا الأمانة‏)‏ وقال صاحب التحرير‏:‏ الأمانة المذكورة في الحديث هي الأمانة المذكورة في الآية وهي عين الإيمان، فإذا استمكنت في القلب قام بأداء ما أمر به واجتنب ما نهي عنه‏.‏

وقال ابن العربي‏:‏ المراد بالأمانة في حديث حذيفة الإيمان، وتحقيق ذلك فيما ذكر من رفعها أن الأعمال السيئة لا تزال تضعف الإيمان، حتى إذا تناهى الضعف لم يبق إلا أثر الإيمان، وهو التلفظ باللسان والاعتقاد الضعيف في ظاهر القلب، فشبهه بالأثر في ظاهر البدن، وكني عن ضعف الإيمان بالنوم، وضرب مثلا لزهوق الإيمان عن القلب حالا بزهوق الحجر عن الرجل حتى يقع بالأرض‏.‏

قوله ‏(‏ولا أبالي أيكم بايعت‏)‏ تقدم في الرقاق أن مراده المبايعة في السلع ونحوها، لا المبايعة بالخلافة ولا الإمارة‏.‏

وقد اشتد إنكار أبي عبيد وغيره على من حمل المبايعة هنا على الخلافة وهو واضح، ووقع في عبارته أن حذيفة كان لا يرضى بأحد بعد عمر يعني في الخلافة وهي مبالغة، وإلا فقد كان عثمان ولاه على المدائن وقد قتل عثمان وهو عليها، وبايع لعلي وحرض على المبايعة له والقيام فيه نصره، ومات في أوائل خلافته كما مضى في ‏"‏ باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما ‏"‏ والمراد أنه لوثوقه بوجود الأمانة في الناس أولا كان يقدم على مبايعة من اتفق من غير بحث عن حاله، فلما بدا التغير في الناس وظهرت الخيانة صار لا يبايع إلا من يعرف حاله، ثم أجاب عن إيراد مقدر كأن قائلا قال له‏:‏ لم تزل الخيانة موجودة لأن الوقت الذي أشرت إليه كان أهل الكفر فيه موجودين وهم أهل الخيانة، فأجاب بأنه وإن كان الأمر كذلك لكنه كان يثق بالمؤمن لذاته وبالكافر لوجود ساعيه وهو الحاكم الذي يحكم عليه، وكانوا لا يستعملون في كل عمل قل أو جل إلا المسلم، فكان واثقا بإنصافه وتخليص حقه من الكافر إن خانه، بخلاف الوقت الأخير الذي أشار إليه فإنه صار لا يبايع إلا أفرادا من الناس يثق بهم‏.‏

وقال ابن العربي‏:‏ قال حذيفة هذا القول لما تغيرت الأحوال التي كان يعرفها على عهد النبوة والخليفتين فأشار إلى ذلك بالمبايعة، وكني عن الإيمان بالأمانة وعما يخالف أحكامه بالخيانة، والله أعلم‏.‏

*3*http://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifباب التَّعَرُّبِ فِي الْفِتْنَةِ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏باب التعرب في الفتنة‏)‏ بالعين المهملة والراء الثقيلة أي السكنى مع الأعراب بفتح الألف، وهو أن ينتقل المهاجر من البلد التي هاجر منها فيسكن البدو فيرجع بعد هجرته أعرابيا، وكان إذ ذاك محرما إلا إن أذن له الشارع في ذلك، وقيده بالفتنة إشارة إلى ما ورد من الإذن في ذلك عند حلول الفتن كما في ثاني حديثي الباب، وقيل بمنعه في زمن الفتنة لما يترتب عليه من خذلان أهل الحق، ولكن نظر السلف اختلف في ذلك‏:‏ فمنهم من آثر السلامة واعتزل الفتن كسعد ومحمد بن مسلمة وابن عمر في طائفة، ومنهم من باشر القتال وهم الجمهور‏.‏

ووقع في رواة كريمة ‏"‏ التعزب ‏"‏ بالزاي وبينهما عموم وخصوص‏.‏

وقال صاحب المطالع‏:‏ وجدته بخطي في البخاري بالزاي وأخشى أن يكون وهما، فإن صح فمعناه البعد والاعتزال‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا حَاتِمٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ فَقَالَ يَا ابْنَ الْأَكْوَعِ ارْتَدَدْتَ عَلَى عَقِبَيْكَ تَعَرَّبْتَ قَالَ لَا وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ لِي فِي الْبَدْوِ وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ خَرَجَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ إِلَى الرَّبَذَةِ وَتَزَوَّجَ هُنَاكَ امْرَأَةً وَوَلَدَتْ لَهُ أَوْلَادًا فَلَمْ يَزَلْ بِهَا حَتَّى قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِلَيَالٍ فَنَزَلَ الْمَدِينَةَ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏حدثنا حاتم‏)‏ بمهملة ثم مثناة هو ابن إسماعيل الكوفي نزيل المدينة، ويزيد بن أبي عبيد في رواية القعنبي عن حاتم ‏"‏ أنبأنا يزيد بن أبي عبيد ‏"‏ أخرجها أبو نعيم‏.‏

قوله ‏(‏عن سلمة بن الأكوع أنه دخل على الحجاج‏)‏ هو ابن يوسف الثقفي الأمير المشهور، وكان ذلك لما ولى الحجاج إمرة الحجاز بعد قتل ابن الزبير فسار من مكة إلى المدينة وذلك في سنة أربع وسبعين‏.‏

قوله ‏(‏ارتددت على عقبيك‏)‏ كأنه أشار إلى ما جاء من الحديث في ذلك كما تقدم عند عد الكبائر في كتاب الحدود، فإن من جملة ما ذكر في ذلك ‏"‏ من رجع بعد هجرته أعرابيا ‏"‏ وأخرج النسائي من حديث ابن مسعود رفعه ‏"‏ لعن الله آكل الربا وموكله ‏"‏ الحديث وفيه ‏"‏ والمرتد بعد هجرته أعرابيا ‏"‏ قال ابن الأثير في النهاية‏:‏ كان من رجع بعد هجرته إلى موضعه من غير عذر يعدونه كالمرتد‏.‏

وقال غيره‏:‏ كان ذلك من جفاء الحجاج حيث خاطب هذا الصحابي الجليل بهذا الخطاب القبيح من قبل أن يستكشف عن عذره، ويقال إنه أراد قتله فبين الجهة التي يريد أن يجعله مستحقا للقتل بها‏.‏

وقد أخرج الطبراني من حديث جابر بن سمرة رفعه ‏"‏ لعن الله من بدا بعد هجرته ‏"‏ إلا في الفتنة فإن البدو خير من المقام في الفتنة‏.‏

قوله ‏(‏قال لا‏)‏ أي لم أسكن البادية رجوعا عن هجرتي ‏(‏ولكن‏)‏ بالتشديد والتخفيف‏.‏

قوله ‏(‏أذن لي في البدو‏)‏ وفي رواية حماد بن مسعدة عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة أنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في البداوة فأذن له أخرجه الإسماعيلي، وفي لفظ له ‏"‏ استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ وقد وقع لسلمة في ذلك قصة أخرى مع غير الحجاج، فأخرج أحمد من طريق سعيد بن إياس بن سلمة أن أباه حدثه قال ‏"‏ قدم سلمة المدينة فلقيه بريدة بن الخصيب فقال‏:‏ ارتددت عن هجرتك، فقال‏:‏ معاذ الله، إني في إذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعته يقول‏:‏ ابدوا يا أسلم - أي القبيلة المشهورة التي منها سلمة وأبو برزة وبريدة المذكور - قالوا‏:‏ إنا نخاف أن يقدح ذلك في هجرتنا، قال‏:‏ أنتم مهاجرون حيث كنتم ‏"‏ وله شاهد من رواية عمرو بن عبد الرحمن بن جرهد قال ‏"‏ سمعت رجلا يقول لجابر‏:‏ من بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ قال‏:‏ أنس بن مالك وسلمة بن الأكوع، فقال رجل‏:‏ أما سلمة فقد ارتد عن هجرته، فقال‏:‏ لا تقل ذلك، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأسلم‏:‏ ابدوا، قالوا إنا نخاف أن نرتد بعد هجرتنا، قال‏:‏ أنتم مهاجرون حيث كنتم ‏"‏ وسند كل منهما حسن‏.‏

قوله ‏(‏وعن يزيد بن أبي عبيد‏)‏ هو موصول بالسند المذكور‏.‏

قوله ‏(‏لما قتل عثمان بن عفان خرج سلمة إلى الربذة‏)‏ بفتح الراء والموحدة بعدها معجمة موضع بالبادية بين مكة والمدينة‏.‏

ويستفاد من هذه الرواية مدة سكنى سلمة البادية وهي نحو الأربعين سنة، لأن قتل عثمان كان في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وموت سلمة سنة أربع وسبعين على الصحيح‏.‏

قوله ‏(‏فلم يزل بها‏)‏ في رواية الكشميهني ‏"‏ هناك ‏"‏ ‏(‏حتى قبل أن يموت بليال‏)‏ كذا فيه بحذف ‏"‏ كان ‏"‏ بعد قوله ‏"‏ حتى ‏"‏ وقبل قوله ‏"‏ قبل ‏"‏ وهي مقدرة وهو استعمال صحيح‏.‏

قوله ‏(‏نزل المدينة‏)‏ في رواية المستملي والسرخسي ‏"‏ فنزل ‏"‏ بزيادة فاء، وهذا يشعر بأن سلمة لم يمت بالبادية كما جزم به يحيى بن عبد الوهاب بن منده في الجزء الذي جمعه في آخر من مات من الصحابة بل مات بالمدينة كما تقتضيه رواية يزيد بن أبي عبيد هذه وبذلك جزم أبو عبد الله بن منده في ‏"‏ معرفة الصحابة ‏"‏ وفي الحديث أيضا رد على من أرخ وفاة سلمة سنة أربع وستين فإن ذلك كان في آخر خلافة يزيد بن معاوية ولم يكن الحجاج يومئذ أميرا ولا ذا أمر ولا نهي، وكذا فيه رد على الهيثم بن عدي حيث زعم أنه مات في آخر خلافة معاوية وهو أشد غلطا من الأول إن أراد معاوية بن أبي سفيان وإن أراد معاوية بن يزيد بن معاوية فهو عين القول الذي قبله، وقد مشى الكرماني على ظاهره فقال‏:‏ مات سنة ستين وهي السنة التي مات فيها معاوية بن أبي سفيان، كذا جزم به والصواب خلافه، وقد اعترض الذهبي على من زعم أنه عاش ثمانين سنة ومات سنة أربع وسبعين لأنه يلزم منه أن يكون له في الحديبية اثنتا عشرة سنة وهو باطل لأنه ثبت أنه قاتل يومئذ وبايع‏.‏

قلت‏:‏ وهو اعتراض متجه لكن ينبغي أن ينصرف إلى سنة وفاته لا إلى مبلغ عمره فلا يلزم منه رجحان قول من قال مات سنة أربع وستين فإن حديث جابر يدل على أنه تأخر عنها لقوله لم يبق من الصحابة إلا أنس وسلمة، وذلك لائق بسنة أربع وسبعين فقد عاش جابر بن عبد الله بعد ذلك إلى سنة سبع وسبعين على الصحيح وقيل مات في التي بعدها وقيل قبل ذلك ثم ذكر حديث أبي سعيد ‏"‏ يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم ‏"‏ الحديث وفي آخره ‏"‏ يفر بدينه من الفتن ‏"‏ وقد تقدم بعض شرحه في ‏"‏ باب العزلة ‏"‏ من كتاب الرقاق، وأشار إلى حمل صنيع سلمة على ذلك لكونه لما قتل عثمان ووقعت الفتن اعتزل عنها وسكن الربذة وتأهل بها ولم يلابس شيئا من تلك الحروب، والحق حمل عمل كل أحد من الصحابة المذكورين على السداد فمن لابس القتال اتضح له الدليل لثبوت الأمر بقتال الفئة الباغية وكانت له قدرة على ذلك، ومن قعد لم يتضح له أي الفئتين هي الباغية وإذا لم يكن له قدرة على القتال‏.‏

وقد وقع لخزيمة بن ثابت أنه كان مع علي وكان مع ذلك لا يقاتل فلما قتل عمار قاتل حينئذ وحدث بحديث ‏"‏ يقتل عمارا الفئة الباغية ‏"‏ أخرجه أحمد وغيره، وقوله ‏"‏يوشك ‏"‏ هو بكسر الشين المعجمة أي يسرع وزنه ومعناه، ويجوز يوشك بفتح الشين‏.‏

وقال الجوهري هي لغة رديئة، وقوله ‏"‏أن يكون خير مال المسلم ‏"‏ يجوز في خير الرفع والنصب فإن كان غنم بالرفع فالنصب وإلا فالرفع وتقدم بيان ذلك في كتاب الإيمان أول الكتاب، والأشهر في الرواية غنم بالرفع، وقد جوز بعضهم رفع خير مع ذلك على أن يقدر في يكون ضمير الشأن وغنم وخير مبتدأ وخبر ولا يخفى تكلفه، وقوله ‏"‏شعف الجبال ‏"‏ بفتح الشين المعجمة والعين المهملة بعدها فاء جمع شعفة كأكم وأكمة رءوس الجبال والمرعى فيها والماء ولا سيما وفي بلاد الحجاز أيسر من غيرها، ووقع عند بعض رواة الموطأ بضم أوله وفتح ثانيه وبالموحدة بدل الفاء جمع شعبة وهي ما انفرج بين جبلين ولم يختلفوا في أن الشين معجمة، ووقع لغير مالك كالأول لكن السين مهملة وسبق بيان ذلك في أواخر علامات النبوة، وقد وقع في حديث أبي هريرة عند مسلم نحو هذا الحديث ولفظه ‏"‏ ورجل في رأس شعبة من هذه الشعاب‏"‏‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏يفر بدينه من الفتن‏)‏ قال الكرماني هذه الجملة حالية وذو الحال الضمير المستتر في يتبع أو المسلم إذا جوزنا الحال من المضاف إليه فقد وجد شرطه وهو شده الملابسة وكأنه جزء منه، واتحاد الخير بالمال واضح، ويجوز أن تكون استئنافية وهو واضح انتهى‏.‏

والخبر دال على فضيلة العزلة لمن خاف على دينه، وقد اختلف السلف في أصل العزلة فقال الجمهور الاختلاط أولى لما فيه من اكتساب الفوائد الدينية للقيام بشعائر الإسلام وتكثير سواد المسلمين وإيصال أنواع الخير إليهم من إعانة وإغاثة وعيادة وغير ذلك‏.‏

وقال قوم العزلة أولى لتحقق السلامة بشرط معرفة ما يتعين، وقد مضى طرف من ذلك في ‏"‏ باب العزلة ‏"‏ من كتاب الرقاق وقال النووي المختار تفضيل المخالطة لمن لا يغلب على ظنه أنه يقع في معصية، فإن أشكل الأمر فالعزلة أولى‏.‏

وقال غيره‏:‏ يختلف باختلاف الأشخاص، فمنهم من يتحتم عليه أحد الأمرين ومنهم من يترجح ليس الكلام فيه بل إذا تساويا فيختلف باختلاف الأحوال فإن تعارضا اختلف باختلاف الأوقات، فمن يتحتم عليه المخالطة من كانت له قدرة على إزالة المنكر فيجب عليه إما عينا وإما كفاية بحسب الحال والإمكان، وممن يترجح من يغلب على ظنه أنه يسلم في نفسه إذا قام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وممن يستوي من يأمن على نفسه ولكنه يتحقق أنه لا يطاع، وهذا حيث لا يكون هناك فتنة عامة فإن وقعت الفتنة ترجحت العزلة لما ينشأ فيها غالبا من الوقوع في المحذور، وقد تقع العقوبة بأصحاب الفتنة فتعم من ليس من أهلها كما قال الله تعالى ‏(‏واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة‏)‏ ويؤيد التفصيل المذكور حديث أبي سعيد أيضا ‏"‏ خير الناس رجل جاهد بنفسه وماله، ورجل في شعب من الشعاب يعبد ربه ويدع الناس من شره ‏"‏ وقد تقدم في ‏"‏ باب العزلة ‏"‏ من كتاب الرقاق حديث أبي هريرة الذي أشرت إليه آنفا فإن أوله عند مسلم ‏"‏ خير معاشر الناس رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله ‏"‏ الحديث وفيه ‏"‏ ورجل في غنيمة ‏"‏ الحديث وكأنه ورد في أي الكسب أطيب، فإن أخذ على عمومه دل على فضيلة العزلة لمن لا يتأتى له الجهاد في سبيل الله إلا أن يكون قيد بزمان وقوع الفتن والله أعلم‏.‏

*3*http://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifباب التَّعَوُّذِ مِنْ الْفِتَنِ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏باب التعوذ من الفتن‏)‏ قال ابن بطال‏:‏ في مشروعية ذلك الرد على من قال‏:‏ اسألوا الله الفتنة فإن فيها حصاد المنافقين، وزعم أنه ورد في حديث وهو لا يثبت رفعه بل الصحيح خلافه‏.‏

قلت‏:‏ أخرجه أبو نعيم من حديث علي بلفظ ‏"‏ لا تكرهوا الفتنة في آخر الزمان فإنها تبير المنافقين ‏"‏ وفي سنده ضعيف ومجهول، وقد تقدم في الدعوات عدة تراجم للتعوذ من عدة أشياء منها الاستعاذة من فتنة الغنى والاستعاذة من فتنة الفقر والاستعاذة من أرذل العمر ومن فتنة الدنيا ومن فتنة النار وغير ذلك، قال العلماء‏:‏ أراد صلى الله عليه وسلم مشروعية ذلك لأمته‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَأَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَحْفَوْهُ بِالْمَسْأَلَةِ فَصَعِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ الْمِنْبَرَ فَقَالَ لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا بَيَّنْتُ لَكُمْ فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ يَمِينًا وَشِمَالًا فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ لَافٌّ رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي فَأَنْشَأَ رَجُلٌ كَانَ إِذَا لَاحَى يُدْعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَنْ أَبِي فَقَالَ أَبُوكَ حُذَافَةُ ثُمَّ أَنْشَأَ عُمَرُ فَقَالَ رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سُوءِ الْفِتَنِ

فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا رَأَيْتُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَالْيَوْمِ قَطُّ إِنَّهُ صُوِّرَتْ لِي الْجَنَّةُ وَالنَّارُ حَتَّى رَأَيْتُهُمَا دُونَ الْحَائِطِ فَكَانَ قَتَادَةُ يَذْكُرُ هَذَا الْحَدِيثَ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَقَالَ عَبَّاسٌ النَّرْسِيُّ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا وَقَالَ كُلُّ رَجُلٍ لَافًّا رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي وَقَالَ عَائِذًا بِاللَّهِ مِنْ سُوءِ الْفِتَنِ أَوْ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سَوْأَى الْفِتَنِ و قَالَ لِي خَلِيفَةُ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ وَمُعْتَمِرٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا وَقَالَ عَائِذًا بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ الْفِتَنِ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏هشام‏)‏ هو الدستوائي‏.‏

قوله ‏(‏عن أنس‏)‏ في رواية سليمان التيمي عن قتادة أن أنسا حدثهم‏.‏

قوله ‏(‏أحفوه‏)‏ أي ألحوا عليه في السؤال، وعند الإسماعيلي في رواية من هذا الوجه ‏"‏ ألحفوه أو أحفوه بالمسألة‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏ذات يوم المنبر‏)‏ في رواية الكشميهني ‏"‏ ذات يوم على المنبر‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏فإذا كل رجل رأسه في ثوبه‏)‏ في رواية الكشميهني ‏"‏ لاف رأسه في ثوبه ‏"‏ وتقدم في تفسير المائدة من وجه آخر ‏"‏ لهم خنين ‏"‏ وهو بالمعجمة أي من البكاء‏.‏

قوله ‏(‏فأنشأ رجل‏)‏ أي بدأ الكلام‏.‏

وفي رواية الإسماعيلي ‏"‏ فقام رجل ‏"‏ وفي لفظ له ‏"‏ فأتى رجل‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏كان إذا لاحى‏)‏ بفتح المهملة من الملاحاة وهي المماراة والمجادلة‏.‏

قوله ‏(‏أبوك حذافة‏)‏ في رواية معتمر ‏"‏ سمعت أبي عن قتادة ‏"‏ عند الإسماعيلي، واسم الرجل خارجة‏.‏

قلت‏:‏ والمعروف أن السائل عبد الله أخو خارجة، وتقدم في تفسير المائدة من قال أنه قيس بن حذافة، وعند أحمد من رواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رفعه ‏"‏ لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به ‏"‏ فقال عبد الله بن حذافة‏:‏ من أبي يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ حذافة بن قيس، فرجع إلى أمه فقالت له‏:‏ ما حملك على الذي صنعت‏؟‏ فقد كنا في جاهلية، فقال‏:‏ إني كنت لأحب أن أعلم من هو أبي من كان من الناس‏.‏

قوله ‏(‏ثم أنشأ عمر‏)‏ كذا وقع في هذه الرواية، وتقدم في تفسير سورة المائدة من طريق أخرى أتم من هذا، وعند الإسماعيلي من طريق معتمر المذكور من الزيادة ‏"‏ فأرم ‏"‏ براء مفتوحة ثم ميم ثقيلة ‏"‏ وخشوا أن يكونوا بين يدي أمر عظيم، قال أنس‏:‏ فجعلت ألتفت يمينا وشمالا فلا أرى كل رجل إلا قد دس رأسه في ثوبه يبكي، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ سلوني ‏"‏ فذكر الحديث‏.‏

وعند أحمد عن أبي عامر العقدي عن هشام بعد قوله أبوك حذافة ‏"‏ فقال رجل‏:‏ يا رسول الله في الجنة إنا أو في النار‏؟‏ قال‏:‏ في النار ‏"‏ وسيأتي ذلك في كتاب الاعتصام من رواية الزهري عن أنس‏.‏

قوله ‏(‏من سوء الفتن‏)‏ بضم السين المهملة بعدها واو ثم همزة، وللكشميهني ‏"‏ شر ‏"‏ بفتح المعجمة وتشديد الراء‏.‏

قوله ‏(‏صورت الجنة والنار‏)‏ في رواية الكشميهني ‏"‏ صورت لي‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏دون الحائط‏)‏ أي بينه وبين الحائط، وزاد في رواية الزهري عن أنس ‏"‏ فلم أر كاليوم في الخير والشر ‏"‏ وسيأتي بيانه في كتاب الاعتصام‏.‏

قوله ‏(‏قال قتادة‏:‏ يذكر هذا الحديث عند هذه الآية ‏(‏يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم‏)‏‏)‏ هو بضم أول يذكر وفتح الكاف، ووقع في رواية الكشميهني ‏"‏ فكان قتادة يذكر ‏"‏ بفتح أوله وضم الكاف وهي أوجه، وكذا وقع في رواية الإسماعيلي‏.‏

قوله ‏(‏وقال عباس‏)‏ هو بموحدة ومهملة وهو ابن الوليد و ‏(‏النرسي‏)‏ بفتح النون ثم سين مهملة، ومضى في علامات النبوة له حديث وفي أواخر المغازي في ‏"‏ باب بعث معاذ وأبي موسى إلى اليمين ‏"‏ آخر، ومن جاء بهذه الصورة فيما عدا هذه المواضع الثلاثة في البخاري فهو عياش بن الوليد الرقام بمثناة تحتانية وآخره معجمة، ويزيد شيخه هو ابن زريع، وسعيد هو ابن أبي عروبة، وقد وصله أبو نعيم في ‏"‏ المستخرج ‏"‏ من رواية محمد ابن عبد الله بن رسته بضم الراء وسكون المهملة بعدها مثناة مفتوحة قال ‏"‏ حدثنا عباس بن الوليد به ‏"‏ وذلك يؤيد كونه بالمهملة لأن الذي بالشين المعجمة ليس فيه الألف واللام‏.‏

قوله ‏(‏بهذا‏)‏ أي بهذا الحديث الماضي، ثم بين أن فيه زيادة قوله ‏"‏ لافا ‏"‏ فدل على أن زيادتها في الأول وهم من الكشميهني‏.‏

قوله ‏(‏وقال عائذا إلخ‏)‏ بين أن في رواية سعيد بالشك في سوء وسوأي‏.‏

قوله ‏(‏عائذا بالله‏)‏ وهكذا وقع بالنصب وهو على الحال أي أقول ذلك عائذا أو على المصدر أي عياذا، وجاء في رواية أخرى بالرفع أي أنا عائذ‏.‏

قوله ‏(‏وقال لي خليفة‏)‏ هو ابن خياط العصفري، وأكثر ما يخرج عنه البخاري يقع بهذه الصيغة لا يقول حدثنا ولا أخبرنا، وكأنه أخذ ذلك عنه في المذاكرة‏.‏

وقوله سعيد هو ابن أبي عروبة ومعتمر هو ابن سليمان التيمي‏.‏

قوله ‏(‏عن أبيه‏)‏ يعني عن أبي معتمر، وذكر هذه الطريق الأخرى لقوله في آخره ‏"‏ من شر الفتن ‏"‏ بالشين المعجمة والراء، وقد تقدم التنبيه على المواضع التي ذكر فيها هذا الحديث في تفسير المائدة وأن بقية شرحه يأتي في كتاب الاعتصام إن شاء الله تعالى‏.‏

*3*http://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifباب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفِتْنَةُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏باب قول النبي صلى الله عليه وسلم الفتنة من قبل المشرق‏)‏ أي من جهته، ذكر فيه ثلاثة أحاديث‏:‏ الأول ذكره من وجهين، وقد ذكرت في شرح حديث أسامة في أوائل كتاب الفتن وجه الجمع بينه وبين قوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏إني لأرى الفتن خلال بيوتكم ‏"‏ وكان خطابه ذلك لأهل المدينة‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَامَ إِلَى جَنْبِ الْمِنْبَرِ فَقَالَ الْفِتْنَةُ هَا هُنَا الْفِتْنَةُ هَا هُنَا مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ أَوْ قَالَ قَرْنُ الشَّمْسِ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قام إلى جنب المنبر‏)‏ في رواية عبد الرزاق عن معمر عند الترمذي ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قام على المنبر ‏"‏ وفي رواية شعيب عن الزهري كما تقدم في مناقب قريش بسنده ‏"‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر ‏"‏ وفي رواية يونس بن يزيد عن الزهري عند مسلم ‏"‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو مستقبل المشرق‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏الفتنة هاهنا، الفتنة هاهنا‏)‏ كذا فيه مرتين‏.‏

وفي رواية يونس ‏"‏ ها إن الفتنة هاهنا أعادها ثلاث مرات‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏من حيث يطلع قرن الشيطان، أو قال قرن الشمس‏)‏ كذا هنا بالشك‏.‏

وفي رواية عبد الرزاق ‏"‏ هاهنا أرض الفتن وأشار إلى المشرق يعني حيث يطلع قرن الشيطان ‏"‏ وفي رواية شعيب ‏"‏ ألا إن الفتنة هاهنا يشير إلى المشرق حيث يطلع قرن الشيطان ‏"‏ وفي رواية يونس مثل معمر لكن لم يقل ‏"‏ أو قال قرن الشمس ‏"‏ بل قال ‏"‏ يعني المشرق ‏"‏ ولمسلم من رواية عكرمة بن عمار عن سالم ‏"‏ سمعت ابن عمر يقول‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير بيده نحو المشرق ويقول‏:‏ ها إن الفتنة هاهنا ثلاثا حيث يطلع قرن الشيطان ‏"‏ وله من طريق حنظلة عن سالم مثله لكن قال ‏"‏ إن الفتنة هاهنا ثلاثا ‏"‏ وله من طريق فضيل بن غزوان ‏"‏ سمعت سالم بن عبد الله ابن عمر يقول‏:‏ يا أهل العراق ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم الكبيرة، سمعت أبي يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ إن الفتنة تجيء من هاهنا، وأومأ بيده نحو المشرق من حيث يطلع قرنا الشيطان ‏"‏ كذا فيه بالتثنية، وله في صفة إبليس من طريق مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر مثل سياق حنظلة سواء، وله نحوه من رواية سفيان الثوري عن عبد الله بن دينار أخرجه في الطلاق ثم ساق هنا من رواية الليث عن نافع عن ابن عمر مثل رواية يونس إلا أنه قال ‏"‏ ألا إن الفتنة هاهنا ‏"‏ ولم يكرر، وكذا لمسلم، وأورده الإسماعيلي من رواية أحمد بن يونس عن الليث فكررها مرتين‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَأْمِنَا اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَفِي نَجْدِنَا قَالَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَأْمِنَا اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَفِي نَجْدِنَا فَأَظُنُّهُ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏عن ابن عون‏)‏ هو عبد الله ‏(‏عن نافع عن ابن عمر قال‏:‏ ذكر النبي صلى الله عليه وسلم اللهم بارك لنا في شامنا الحديث‏)‏ كذا أورده عن علي بن عبد الله عن أزهر السمان وأخرجه الترمذي عن بشر بن آدم بن بنت أزهر حدثني جدي أزهر بهذا السند ‏"‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏ ومثله للإسماعيلي من رواية أحمد بن إبراهيم الدورقي عن أزهر، وأخرجه من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عون عن أبيه كذلك، وقد تقدم من وجه آخر عن ابن عون في الاستسقاء موقوفا وذكرت هناك الاختلاف فيه‏.‏

قوله ‏(‏قالوا يا رسول الله‏:‏ وفي نجدنا، فأظنه قال في الثالثة‏:‏ هناك الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان‏)‏ وقع في رواية الترمذي والدورقي بعد قوله وفي نجدنا ‏"‏ قال اللهم بارك لنا في شامنا وبارك لنا في يمننا قال وفي نجدنا‏؟‏ قال‏:‏ هناك ‏"‏ فذكره لكن شك هل قال بها أو منها‏.‏

وقال يخرج بدل يطلع، وقد وقع في رواية الحسين بن الحسن في الاستسقاء مثله في الإعادة مرتين‏.‏

وفي رواية ولد ابن عون ‏"‏ فلما كان الثالثة أو الرابعة قالوا يا رسول الله وفي نجدنا‏؟‏ قال بها الزلازل والفتن ومنها يطلع قرن الشيطان ‏"‏ قال المهلب‏:‏ إنما ترك صلى الله عليه وسلم الدعاء لأهل المشرق ليضعفوا عن الشر الذي هو موضوع في جهتهم لاستيلاء الشيطان بالفتن وأما قوله ‏"‏ قرن الشمس ‏"‏ فقال الداودي‏:‏ للشمس قرن حقيقة ويحتمل أن يريد بالقرن قوة الشيطان وما يستعين به على الإضلال، وهذا أوجه، وقيل إن الشيطان يقرن رأسه بالشمس عند طلوعها ليقع سجود عبدتها له قيل ويحتمل أن يكون للشمس شيطان تطلع الشمس بين قرنيه‏.‏

وقال الخطابي‏:‏ القرن الأمة من الناس يحدثون بعد فناء آخرين، وقرن الحية أن بضرب المثل فيما لا يحمد من الأمور‏.‏

وقال غيره كان أهل المشرق يومئذ أهل كفر فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الفتنة تكون من تلك الناحية فكان كما أخبر، وأول الفتن كان من قبل المشرق فكان ذلك سببا للفرقة بين المسلمين وذلك مما يحبه الشيطان ويفرح به، وكذلك البدع نشأت من تلك الجهة‏.‏

وقال الخطابي‏:‏ نجد من جهة المشرق ومن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق ونواحيها وهي مشرق أهل المدينة، وأصل النجد ما ارتفع من الأرض، وهو خلاف الغور فإنه ما انخفض منها وتهامة كلها من الغور ومكة من تهامة انتهى وعرف بهذا وهاء ما قاله الداودي أن نجدا من ناحية العراق فإنه توهم أن نجدا موضع مخصوص، وليس كذلك بل كل شيء ارتفع بالنسبة إلى ما يليه يسمى المرتفع نجدا والمنخفض غورا‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ شَاهِينَ الْوَاسِطِيُّ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ بَيَانٍ عَنْ وَبَرَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَرَجَوْنَا أَنْ يُحَدِّثَنَا حَدِيثًا حَسَنًا قَالَ فَبَادَرَنَا إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدِّثْنَا عَنْ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ وَاللَّهُ يَقُولُ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَقَالَ هَلْ تَدْرِي مَا الْفِتْنَةُ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ إِنَّمَا كَانَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَاتِلُ الْمُشْرِكِينَ وَكَانَ الدُّخُولُ فِي دِينِهِمْ فِتْنَةً وَلَيْسَ كَقِتَالِكُمْ عَلَى الْمُلْكِ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏حدثنا إسحاق الواسطي‏)‏ هو ابن شاهين، وخالد هو ابن عبد الله، وبيان بموحدة ثم تحتانية خفيفة هو ابن عمرو، ووبرة بفتح الواو والموحدة عند الجميع وبه جزم ابن عبد البر‏.‏

وقال عياض ضبطناه في مسلم بسكون الموحدة‏.‏

قوله ‏(‏أن يحدثنا حديثا حسنا‏)‏ أي حسن اللفظ يشتمل على ذكر الترجمة والرخصة، فشغله الرجل فصده عن إعادته حتى عدل إلى التحدث عن الفتنة‏.‏

قوله ‏(‏فقام إليه رجل‏)‏ تقدم في الأنفال أن اسمه حكيم، أخرجه البيهقي من رواية زهير بن معاوية عن بيان ‏"‏ أن وبرة حدثه ‏"‏ فذكره، وفيه ‏"‏ فمررنا برجل يقال له حكيم‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏يا أبا عبد الرحمن‏)‏ هي كنية عبد الله بن عمر‏.‏

قوله ‏(‏حدثنا عن القتال في الفتنة والله يقول‏)‏ يريد أن يحتج بالآية على مشروعية القتال في الفتنة وأن فيها الرد على من ترك ذلك كابن عمر، وقوله ‏"‏ثكلتك أمك ‏"‏ ظاهره الدعاء وقد يرد مورد الزجر كما هنا، وحاصل جواب ابن عمر له أن الضمير في قوله تعالى ‏(‏وقاتلوهم‏)‏ للكفار، فأمر المؤمنين بقتال الكافرين حتى لا يبقى أحد يفتن عن دين الإسلام ويرتد إلى الكفر، ووقع نحو هذا السؤال من نافع بن الأزرق وجماعة لعمران ابن حصين فأجابهم بنحو جواب ابن عمر أخرجه ابن ماجه، وقد تقدم في سورة الأنفال من رواية زهير بن معاوية عن بيان بزيادة ‏"‏ فقال ‏"‏ بدل قوله ‏"‏ وكان الدخول في دينهم فتنة، فكان الرجل يفتن عن دينه إما يقتلونه وإما يوثقونه حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة ‏"‏ أي لم يبق فتنة أي من أحد من الكفار لأحد من المؤمنين‏.‏

ثم ذكر سؤاله عن علي وعثمان وجواب ابن عمر‏.‏

وقوله هنا ‏"‏ وليس كقتالكم على الملك ‏"‏ أي في طلب الملك، يشير إلى ما وقع بين مروان ثم عبد الملك ابنه وبين ابن الزبير وما أشبه ذلك، وكان رأي ابن عمر ترك القتال في الفتنة ولو ظهر أن إحدى الطائفتين محقة والأخرى مبطلة، وقيل الفتنة مختصة بما إذا وقع القتال بسبب التغالب في طلب الملك، وأما إذا علمت الباغية فلا تسمى فتنة وتجب مقاتلتها حتى ترجع إلى الطاعة؛ وهذا قول الجمهور‏.‏

==================

*http://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifباب الْفِتْنَةِ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ

وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ خَلَفِ بْنِ حَوْشَبٍ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَتَمَثَّلُوا بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ عِنْدَ الْفِتَنِ قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ الْحَرْبُ أَوَّلُ مَا تَكُونُ فَتِيَّةً تَسْعَى بِزِينَتِهَا لِكُلِّ جَهُولِ حَتَّى إِذَا اشْتَعَلَتْ وَشَبَّ ضِرَامُهَا وَلَّتْ عَجُوزًا غَيْرَ ذَاتِ حَلِيلِ شَمْطَاءَ يُنْكَرُ لَوْنُهَا وَتَغَيَّرَتْ مَكْرُوهَةً لِلشَّمِّ وَالتَّقْبِيلِ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏باب الفتنة التي تموج كموج البحر‏)‏ كأنه يشير إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق عاصم ابن ضمرة عن علي قال ‏"‏ وضع الله في هذه الأمة خمس فتن ‏"‏ فذكر الأربعة ثم فتنة تموج كموج البحر وهي التي يصبح الناس فيها كالبهائم أي لا عقول لهم، ويؤيده حديث أبي موسى ‏"‏ تذهب عقول أكثر ذلك الزمان ‏"‏ وأخرج ابن أبي شيبة من وجه آخر عن حذيفة قال ‏"‏ لا تضرك الفتنة ما عرفت دينك؛ إنما الفتنة إذا اشتبه عليك الحق والباطل‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏وقال ابن عيينة‏)‏ هو سفيان، وقد وصله البخاري في التاريخ الصغير عن عبد الله بن محمد المسندي ‏"‏ حدثنا سفيان بن عيينة‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏عن خلف بن حوشب‏)‏ بمهملة ثم معجمة ثم موحدة بوزن جعفر، وخلف كان من أهل الكوفة روى عن جماعة من كبار التابعين وأدرك بعض الصحابة لكن لم أجد له رواية عن صحابي، وكان عابدا‏.‏

وثقه العجلي‏.‏

وقال النسائي لا بأس به، وأثنى عليه ابن عيينة والربيع بن أبي راشد، وروى عنه أيضا شعبة، وليس له في البخاري إلا هذا الموضع‏.‏

قوله ‏(‏كانوا يستحبون أن يتمثلوا بهذه الأبيات عند الفتن‏)‏ أي عند نزولها‏.‏

قوله ‏(‏قال امرؤ القيس‏)‏ كذا وقع عند أبي ذر في نسخة، والمحفوظ أن الأبيات المذكورة لعمرو ابن معد يكرب الزبيدي كما جزم به أبو العباس المبرد في الكامل، وكذا رويناه في ‏"‏ كتاب الغرر من الأخبار ‏"‏ لأبي بكر خمد بن خلف القاضي المعروف بوكيع قال ‏"‏ حدثنا معدان بن علي حدثنا عمرو بن محمد الناقد حدثنا سفيان بن عيينة عن خلف بن حوشب قال قال عمرو بن معد يكرب ‏"‏ وبذلك جزم السهيلي في ‏"‏ الروض ‏"‏ ووقع لنا موصولا من وجه آخر وفيه زيادة رويناه في ‏"‏ فوائد الميمون بن حمزة المصري ‏"‏ عن الطحاوي فيما زاده في السنن التي رواها عن المزني عن الشافعي فقال ‏"‏ حدثنا المزني حدثنا الحميدي عن سفيان عن خلف بن حوشب قال قال عيسى بن مريم للحواريين كما ترك لكم الملوك الحكمة فاتركوا لهم الدنيا ‏"‏ وكان خلف يقول ينبغي للناس أن يتعلموا هذه الأبيات في الفتنة‏.‏

قوله ‏(‏الحرب أول ما تكون فتية‏)‏ بفتح الفاء وكسر المثناة وتشديد التحتانية أي شابة، حكى ابن التين عن سيبويه الحرب مؤنثة وعن المبرد قد تذكر وأنشد له شاهدا قال‏:‏ وبعضهم يرفع ‏"‏ أول وفتية ‏"‏ لأنه مثل، ومن نصب أول قال إنه الخبر، ومنهم من قدره الحرب أول ما تكون أحوالها إذا كانت فتية، ومنهم من أعرب أول حالا ‏"‏ وقال غيره يجوز فيه أربعة أوجه رفع أول ونصب فتية وعكسه ورفعهما جميعا ونصبهما فمن رفع أول ونصب فتية فتقديره الحرب أول أحوالها إذا كانت فتية فالحرب مبتدأ وأول مبتدأ ثان وفتية حال سدت مسد الخبر والجملة خبر الحرب، ومن عكس فتقديره الحرب في أول أحوالها فتية فالحرب مبتدأ وفتية خبرها وأول منصوب على الظرف، ومن رفعهما فالتقدير الحرب أول أحوالها فأول مبتدأ ثان أو بدل من الحرب وفتية خبر، ومن نصبهما جعل أول ظرفا وفتية حالا والتقدير الحرب في أول أحوالها إذا كانت فتية وتسعى خبر عنها، أي الحرب في حال ما هي فتية أي في وقت وقوعها يفر من لم يجربها حتى يدخل فيها فتهلكه‏.‏

قوله ‏(‏بزينتها‏)‏ كذا فيه من الزينة، ورواه سيبويه ببزتها بموحدة وزاي مشددة والبزة اللباس الجيد‏.‏

قوله ‏(‏إذا اشتعلت‏)‏ بشين معجمة وعين مهملة كناية عن هيجانها، ويجوز في ‏"‏ إذا ‏"‏ أن تكون ظرفية وأن تكون شرطية والجواب ولت، وقوله ‏"‏وشب ضرامها ‏"‏ هو بضم الشين المعجمة ثم موحدة تقول شبت الحرب إذا اتقدت وضرامها بكسر الضاد المعجمة أي اشتعالها‏.‏

قوله ‏(‏ذات حليل‏)‏ بحاء مهملة والمعنى أنها صارت لا يرغب أحد في تزويجها، ومنهم من قاله بالخاء المعجمة‏.‏

قوله ‏(‏شمطاء‏)‏ بالنصب هو وصف العجوز، والشمط بالشين المعجمة اختلاط الشعر الأبيض بالشعر الأسود‏.‏

وقال الداودي، هو كناية عن كثرة الشيب‏.‏

وقوله ‏"‏ينكر لونها ‏"‏ أي يبدل حسنها بقبح‏.‏

ووقع في رواية الحميدي ‏"‏ شمطاء جزت رأسها ‏"‏ بدل قوله ‏"‏ ينكر لونها ‏"‏ وكذلك أنشده السهيلي في الروض‏.‏

وقوله ‏"‏مكروهة للشم والتقبيل ‏"‏ يصف فاها بالبخر مبالغة في التنفير منها، والمراد بالتمثل بهذه الأبيات استحضار ما شاهدوه وسمعوه من حال الفتنة، فإنهم يتذكرون بإنشادها ذلك فيصدهم عن الدخول فيها حتى لا يغتروا بظاهر أمرها أولا‏.‏

ثم ذكر فيه ثلاثة أحاديث‏:‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ حَدَّثَنَا شَقِيقٌ سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ يَقُولُ بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ عُمَرَ إِذْ قَالَ أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْفِتْنَةِ قَالَ فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ قَالَ لَيْسَ عَنْ هَذَا أَسْأَلُكَ وَلَكِنْ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ قَالَ لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا بَأْسٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا قَالَ عُمَرُ أَيُكْسَرُ الْبَابُ أَمْ يُفْتَحُ قَالَ بَلْ يُكْسَرُ قَالَ عُمَرُ إِذًا لَا يُغْلَقَ أَبَدًا قُلْتُ أَجَلْ قُلْنَا لِحُذَيْفَةَ أَكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ الْبَابَ قَالَ نَعَمْ كَمَا يَعْلَمُ أَنَّ دُونَ غَدٍ لَيْلَةً وَذَلِكَ أَنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالْأَغَالِيطِ فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَهُ مَنْ الْبَابُ فَأَمَرْنَا مَسْرُوقًا فَسَأَلَهُ فَقَالَ مَنْ الْبَابُ قَالَ عُمَرُ

الشرح‏:‏

أحدها حديث حذيفة‏.‏

قوله ‏(‏حدثنا شقيق‏)‏ هو أبو وائل بن سلمة الأسدي، وقد تقدم في الزكاة من طريق جرير عن الأعمش عن أبي وائل‏.‏

قوله ‏(‏سمعت حذيفة يقول‏:‏ بينا نحن جلوس عند عمر‏)‏ تقدم شرحه مستوفى في علامات النبوة، وسياقه هناك أتم‏.‏

وخالف أبو حمزة السكري أصحاب الأعمش فقال ‏"‏ عن أبي وائل عن مسروق قال‏:‏ قال عمر ‏"‏ وقوله هنا ‏"‏ ليس عن هذا أسألك ‏"‏ وقع في رواية ربعي بن حراش عن حذيفة عند الطبراني ‏"‏ لم أسأل عن فتنة الخاصة ‏"‏ وقوله ‏"‏ ولكن التي تموج كموج البحر، فقال‏:‏ ليس عليك منها بأس ‏"‏ في رواية الكشميهني ‏"‏ عليكم ‏"‏ بصيغة الجمع، ووقع في رواية ربعي، فقال حذيفة ‏"‏ سمعته يقول‏:‏ يأتيكم بعدي فتن كموج البحر يدفع بعضها بعضا ‏"‏ فيؤخذ منه جهة التشبيه بالموج وأنه ليس المراد به الكثرة فقط، وزاد في رواية ربعي ‏"‏ فرفع عمر يده فقال‏:‏ اللهم لا تدركني، فقال حذيفة‏:‏ لا تخف ‏"‏ وقوله ‏"‏ إذا لا يغلق أبدا‏؟‏ قلت‏:‏ أجل ‏"‏ في رواية ربعي ‏"‏ قال حذيفة كسرا ثم لا يغلق إلى يوم القيامة‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏كما يعلم أن دون غد ليلة‏)‏ أي علمه علما ضروريا مثل هذا ‏"‏ قال ابن بطال‏:‏ إنما عدل حذيفة حين سأله عمر عن الإخبار بالفتنة الكبرى إلى الإخبار بالفتنة الخاصة لئلا يغم ويشتغل باله، ومن ثم قال له ‏"‏ إن بينك وبينها بابا مغلقا ‏"‏ ولم يقل له أنت الباب وهو يعلم أنه الباب فعرض له بما فهمه ولم يصرح وذلك من حسن أدبه‏.‏

وقول عمر ‏"‏ إذا كسر لم يغلق ‏"‏ أخذه من جهة أن الكسر لا يكون إلا غلبة والغلبة لا تقع إلا في الفتنة، وعلم من الخبر النبوي أن بأس الأمة بينهم واقع، وأن الهرج لا يزال إلى يوم القيامة كما وقع في حديث شداد رفعه ‏"‏ إذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة‏"‏‏.‏

قلت‏:‏ أخرجه الطبري وصححه ابن حبان‏.‏

وأخرج الخطيب في ‏"‏ الرواة عن مالك ‏"‏ أن عمر دخل على أم كلثوم بنت علي فوجدها تبكي فقال‏:‏ ما يبكيك‏؟‏ قالت‏:‏ هذا اليهودي - لكعب الأحبار - يقول‏:‏ إنك باب من أبواب جهنم، فقال عمر‏:‏ ما شاء الله‏.‏

ثم خرج فأرسل إلى كعب فجاءه فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين، والذي نفسي بيده لا ينسلخ ذو الحجة حتى تدخل الجنة‏.‏

فقال‏:‏ ما هذا، مرة في الجنة ومرة في النار‏؟‏ فقال‏:‏ إنا لنجدك في كتاب الله على باب من أبواب جهنم تمنع الناس أن يقتحموا فيها، فإذا مت اقتحموا‏.‏

قوله ‏(‏فأمرنا مسروقا‏)‏ احتج به من قال إن الأمر لا يشترط فيه العلو ولا الاستعلاء‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا إِلَى حَائِطٍ مِنْ حَوَائِطِ الْمَدِينَةِ لِحَاجَتِهِ وَخَرَجْتُ فِي إِثْرِهِ فَلَمَّا دَخَلَ الْحَائِطَ جَلَسْتُ عَلَى بَابِهِ وَقُلْتُ لَأَكُونَنَّ الْيَوْمَ بَوَّابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَأْمُرْنِي فَذَهَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَضَى حَاجَتَهُ وَجَلَسَ عَلَى قُفِّ الْبِئْرِ فَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ وَدَلَّاهُمَا فِي الْبِئْرِ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِ لِيَدْخُلَ فَقُلْتُ كَمَا أَنْتَ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ لَكَ فَوَقَفَ فَجِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْكَ قَالَ ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ فَدَخَلَ فَجَاءَ عَنْ يَمِينِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ وَدَلَّاهُمَا فِي الْبِئْرِ فَجَاءَ عُمَرُ فَقُلْتُ كَمَا أَنْتَ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ لَكَ

فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ فَجَاءَ عَنْ يَسَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ فَدَلَّاهُمَا فِي الْبِئْرِ فَامْتَلَأَ الْقُفُّ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مَجْلِسٌ ثُمَّ جَاءَ عُثْمَانُ فَقُلْتُ كَمَا أَنْتَ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ لَكَ

فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ مَعَهَا بَلَاءٌ يُصِيبُهُ فَدَخَلَ فَلَمْ يَجِدْ مَعَهُمْ مَجْلِسًا فَتَحَوَّلَ حَتَّى جَاءَ مُقَابِلَهُمْ عَلَى شَفَةِ الْبِئْرِ فَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ ثُمَّ دَلَّاهُمَا فِي الْبِئْرِ فَجَعَلْتُ أَتَمَنَّى أَخًا لِي وَأَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَأْتِيَ قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ فَتَأَوَّلْتُ ذَلِكَ قُبُورَهُمْ اجْتَمَعَتْ هَا هُنَا وَانْفَرَدَ عُثْمَانُ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏عن شريك بن عبد الله‏)‏ هو بن أبي نمر‏.‏

ولم يخرج البخاري عن شريك بن عبد الله النخعي القاضي شيئا‏.‏

قوله ‏(‏خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى حائط من حوائط المدينة لحاجته‏)‏ تقدم اسم الحائط المذكور مع شرح الحديث في مناقب أبي بكر، وقوله هنا ‏"‏ لأكونن اليوم بواب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأمرني ‏"‏ قال الداودي في الرواية الأخرى ‏"‏ أمرني بحفظ الباب ‏"‏ وهو اختلاف ليس المحفوظ إلا أحدهما، وتعقب بإمكان الجمع بأنه فعل ذلك ابتداء من قبل نفسه فلما استأذن أولا لأبي بكر وأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يأذن له ويبشره بالجنة وافق ذلك اختيار النبي صلى الله عليه وسلم لحفظ الباب عليه لكونه كان في حال خلوة وقد كشف عن ساقه ودلى رجليه فأمره بحفظ الباب، فصادف أمره ما كان أبو موسى ألزم نفسه به قبل الأمر‏.‏

ويحتمل أن يكون أطلق الأمر على التقرير وقد مضى شيء من هذا في مناقب أبي بكر‏.‏

وقوله هنا ‏"‏ وجلس على قف البئر ‏"‏ في رواية غير الكشميهني ‏"‏ في ‏"‏ بدل ‏"‏ على ‏"‏ والقف ما ارتفع من متن البئر‏.‏

وقال الداودي‏:‏ ما حول البئر‏.‏

قلت‏:‏ والمراد هنا مكان يبنى حول البئر للجلوس، والقف أيضا الشيء اليابس، وفي أودية المدينة واد يقال له القف وليس مرادا هنا‏.‏

وقوله ‏"‏فدخل فجاء عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ في رواية الكشميهني ‏"‏ فجلس ‏"‏ بدل ‏"‏ فجاء ‏"‏ وقوله ‏"‏ فامتلأ القف ‏"‏ في رواية الكشميهني ‏"‏ وامتلأ ‏"‏ بالواو، والمراد من تخريجه هنا الإشارة إلى أن قوله في حق عثمان ‏"‏ بلاء يصيبه ‏"‏ هو ما وقع له من القتل الذي نشأت عنه الفتن الواقعة بين الصحابة في الجمل ثم في صفين وما بعد ذلك‏.‏

قال ابن بطال‏:‏ إنما خص عثمان بذكر البلاء مع أن عمر قتل أيضا لكون عمر لم يمتحن بمثل ما امتحن عثمان من تسلط القوم الذين أرادوا منه أن ينخلع من الإمامة بسبب ما نسبوه إليه من الجور والظلم مع تنصله من ذلك واعتذاره عن كل ما أوردوه عليه ثم هجومهم عليه داره وهتكهم ستر أهله، وكل ذلك زيادة على قتله‏.‏

قلت‏:‏ وحاصله أن المراد بالبلاء الذي خص به الأمور الزائدة على القتل وهو كذلك‏.‏

قوله ‏(‏قال فتأولت ذلك قبورهم‏)‏ في رواية الكشميهني ‏"‏ فأولت ‏"‏ قال الداودي‏:‏ كان سعيد ابن المسيب لجودته في عبارة الرؤيا يستعمل التعبير فيما يشبهها‏.‏

قلت‏:‏ ويؤخذ منه أن التمثيل لا يستلزم التسوية، فإن المراد بقوله ‏"‏ اجتمعوا ‏"‏ مطلق الاجتماع لا خصوص كون أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله كما كانوا على البئر، وكذا عثمان انفرد قبره عنهم ولم يستلزم أن يكون مقابلهم‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ قَالَ قِيلَ لِأُسَامَةَ أَلَا تُكَلِّمُ هَذَا قَالَ قَدْ كَلَّمْتُهُ مَا دُونَ أَنْ أَفْتَحَ بَابًا أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَفْتَحُهُ وَمَا أَنَا بِالَّذِي أَقُولُ لِرَجُلٍ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ أَمِيرًا عَلَى رَجُلَيْنِ أَنْتَ خَيْرٌ بَعْدَ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يُجَاءُ بِرَجُلٍ فَيُطْرَحُ فِي النَّارِ فَيَطْحَنُ فِيهَا كَطَحْنِ الْحِمَارِ بِرَحَاهُ فَيُطِيفُ بِهِ أَهْلُ النَّارِ فَيَقُولُونَ أَيْ فُلَانُ أَلَسْتَ كُنْتَ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ فَيَقُولُ إِنِّي كُنْتُ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا أَفْعَلُهُ وَأَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ وَأَفْعَلُهُ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏عن سليمان‏)‏ هو الأعمش‏.‏

وفي رواية أحمد عن محمد بن جعفر، عن شعبة عن سليمان ومنصور وكذا للإسماعيلي عن القاسم بن زكريا عن بشر بن خالد شيخ البخاري فيه لكنه ساقه على لفظ سليمان وقال في آخره ‏"‏ قال شعبة وحدثني منصور عن أبي وائل عن أسامة ‏"‏ نحوا منه إلا أنه زاد فيه ‏"‏ فتندلق أقتاب بطنه‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏قيل لأسامة‏:‏ ألا تكلم هذا‏؟‏‏)‏ كذا هنا بإبهام القائل وإبهام المشار إليه، وتقدم في صفة النار من بدء الخلق من طريق سفيان بن عيينة عن الأعمش بلفظ ‏"‏ لو أتيت فلانا فكلمته ‏"‏ وجزاء الشرط محذوف والتقدير لكان صوابا، ويحتمل أن تكون ‏"‏ لو ‏"‏ للتمني ووقع اسم المشار إليه عند مسلم من رواية أبي معاوية عن الأعمش عن شقيق عن أسامة ‏"‏ قيل له ألا تدخل على عثمان فتكلمه ‏"‏ ولأحمد عن يعلى بن عبيد عن الأعمش ‏"‏ ألا تكلم عثمان‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏قد كلمته ما دون أن أفتح بابا‏)‏ أي كلمته فيما أشرتم إليه، لكن على سبيل المصلحة والأدب في السر بغير أن يكون في كلامي ما يثير فتنة أو نحوها‏.‏

وما موصوفة ويجوز أن تكون موصولة‏.‏

قوله ‏(‏أكون أول من يفتحه‏)‏ في رواية الكشميهني ‏"‏ فتحه ‏"‏ بصيغة الفعل الماضي وكذا في رواية الإسماعيلي؛ وفي رواية سفيان ‏"‏ قال إنكم لترون - أي تظنون - أني لا أكلمه إلا أسمعتكم ‏"‏ أي إلا بحضوركم، وسقطت الألف من بعض النسخ فصار بلفظ المصدر أي إلا وقت حضوركم حيث تسمعون وهي رواية يعلى بن عبيد المذكورة، وقوله في رواية سفيان ‏"‏ إني أكلمه في السر دون أن أفتح بابا لا أكون أول من فتحه ‏"‏ عند مسلم مثله لكن قال بعد قوله إلا أسمعتكم ‏"‏ والله لقد كلمته فيما بيني وبينه دون أن أفتح أمرا لا أحب أن أكون أول من فتحه ‏"‏ يعني لا أكلمه إلا مع مراعاة المصلحة بكلام لا يهيج به فتنة‏.‏

قوله ‏(‏وما أنا بالذي أقول لرجل بعد أن يكون أميرا على رجلين أنت خير‏)‏ في رواية الكشميهني ‏"‏ إيت خيرا ‏"‏ بصيغة فعل الأمر من الإيتاء ونصب خيرا على المفعولية، والأول أولى فقد وقع في رواية سفيان ‏"‏ ولا أقول لأمير إن كان على أميرا ‏"‏ هو بكسر همزة إن ويجوز فتحها وقوله ‏"‏ كان على - بالتشديد - أميرا أنه خير الناس ‏"‏ وفي رواية أبي معاوية عند مسلم ‏"‏ يكون على أميرا ‏"‏ وفي رواية يعلى ‏"‏ وإن كان على أميرا‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏بعدما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ يجاء برجل‏)‏ في رواية سفيان ‏"‏ بعد شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا‏:‏ وما سمعته يقول‏؟‏ قال سمعته يقول‏:‏ يجاء بالرجل ‏"‏ وفي رواية عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عند أحمد ‏"‏ يجاء بالرجل الذي كان يطاع في معاصي الله فيقذف في النار‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏فيطحن فيها كطحن الحمار‏)‏ في رواية الكشميهني ‏"‏ كما يطحن الحمار ‏"‏ كذا رأيت في نسخة معتمدة ‏"‏ فيطحن ‏"‏ بضم أوله على البناء للمجهول، وفي أخرى بفتح أوله وهو أوجه، فقد تقدم في رواية سفيان وأبي معاوية ‏"‏ فتندلق أقتابه فيدور كما يدور الحمار ‏"‏ وفي رواية عاصم ‏"‏ يستدير فيها كما يستدير الحمار ‏"‏ وكذا في رواية أبي معاوية‏.‏

والإقتاب جمع قتب بكسر القاف وسكون المثناة بعدها موحدة هي الأمعاء، واندلاقها خروجها بسرعة يقال اندلق السيف من غمده إذا خرج من غير أن يسله أحد، وهذا يشعر بأن هذه الزيادة كانت أيضا عند الأعمش فلم يسمعها شعبة منه وسمع معناها من منصور كما تقدم‏.‏

قوله ‏(‏فيطيف به أهل النار‏)‏ أي يجتمعون حوله، يقال أطاف به القوم إذا حلقوا حوله حلقة وإن لم يدوروا، وطافوا إذا داروا حوله، وبهذا التقرير يظهر خطأ من قال إنهما بمعنى واحد‏.‏

وفي رواية سفيان وأبي معاوية ‏"‏ فيجتمع عليه أهل النار ‏"‏ وفي رواية عاصم ‏"‏ فيأتي عليه أهل طاعته من الناس‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏فيقولون أي فلان‏)‏ في رواية سفيان وأبي معاوية ‏"‏ فيقولون يا فلان ‏"‏ وزاد ‏"‏ ما شأنك ‏"‏ وفي رواية عاصم ‏"‏ أي قل، أين ما كنت تأمرنا به ‏"‏‏؟‏ ‏.‏

قوله ‏(‏ألست كنت تأمر بالمعروف وتنهى‏)‏ في رواية سفيان ‏"‏ أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا ‏"‏‏؟‏ قوله ‏(‏إني كنت آمر بالمعروف ولا أفعله وأنهى عن المنكر وأفعله‏)‏ في رواية سفيان ‏"‏ آمركم وأنهاكم ‏"‏ وله ولأبي معاوية ‏"‏ وآتيه ولا آتيه ‏"‏ وفي رواية يعلى ‏"‏ بل كنت آمر ‏"‏ وفي رواية عاصم ‏"‏ وإني كنت آمركم بأمر وأخالفكم إلى غيره ‏"‏ قال المهلب‏:‏ أرادوا من أسامة أن يكلم عثمان وكان من خاصته وممن يخف عليه في شأن الوليد بن عقبة لأنه كان ظهر عليه ريح نبيذ وشهر أمره وكان أخا عثمان لأمه وكان يستعمله، فقال أسامة‏:‏ قد كلمته سرا دون أن أفتح بابا، أي باب الإنكار على الأئمة علانية خشية أن تفترق الكلمة‏.‏

ثم عرفهم أنه لا يداهن أحدا ولو كان أميرا بل ينصح له في السر جهده، وذكر لهم قصة الرجل الذي يطرح في النار لكونه كان يأمر بالمعروف ولا يفعله ليتبرأ مما ظنوا به من سكوته عن عثمان في أخيه انتهى ملخصا‏.‏

وجزمه بأن مراد من سأل أسامة الكلام مع عثمان أن يكلمه في شأن الوليد ما عرفت مستنده فيه، وسياق مسلم من طريق جرير عن الأعمش يدفعه، ولفظه عن أبي وائل ‏"‏ كنا عند أسامة بن زيد فقال له رجل‏:‏ ما يمنعك أن تدخل على عثمان فتكلمه فيما يصنع ‏"‏ قال وساق الحديث بمثله، وجزم الكرماني بأن المراد أن يكلمه فيما أنكره الناس على عثمان من تولية أقاربه وغير ذلك مما اشتهر، وقوله إن السبب في تحديث أسامة بذلك ليتبرأ مما ظنوه به ليس بواضح، بل الذي يظهر أن أسامة كان يخشى على من ولى ولاية ولو صغرت أنه لا بد له من أن يأمر الرعية بالمعروف وينهاهم عن المنكر ثم لا يأمن من أن يقع منه تقصير، فكان أسامة يرى أنه لا يتأمر على أحد، وإلى ذلك أشار بقوله ‏"‏ لا أقول للأمير إنه خير الناس ‏"‏ أي بل غايته أن ينجو كفافا‏.‏

وقال عياض‏:‏ مراد أسامة أنه لا يفتح باب المجاهرة بالنكير على الإمام لما يخشى من عاقبة ذلك، بل يتلطف به وينصحه سرا فذلك أجدر بالقبول‏.‏

وقوله ‏"‏لا أقول لأحد يكون على أميرا إنه خير الناس ‏"‏ فيه ذم مداهنة الأمراء في الحق وإظهار ما يبطن خلافه كالمتملق بالباطل، فأشار أسامة إلى المداراة المحمودة والمداهنة المذمومة، وضابط المداراة أن لا يكون فيها قدح في الدين، والمداهنة المذمومة أن يكون فيها تزيين القبيح وتصويب الباطل ونحو ذلك‏.‏

وقال الطبري‏:‏ اختلف السلف في الأمر بالمعروف، فقالت طائفة يجب مطلقا واحتجوا بحديث طارق بن شهاب رفعه ‏"‏ أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ‏"‏ وبعموم قوله ‏"‏ من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ‏"‏ الحديث‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ يجب إنكار المنكر، لكن شرطه أن لا يلحق المنكر بلاء لا قبل له به من قتل ونحوه‏.‏

وقال آخرون‏:‏ ينكر بقلبه لحديث أم سلمة مرفوعا ‏"‏ يستعمل عليكم أمراء بعدي، فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع ‏"‏ الحديث قال‏:‏ والصواب اعتبار الشرط المذكور ويدل عليه حديث ‏"‏ لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه ‏"‏ ثم فسره بأن يتعرض من البلاء لما لا يطيق انتهى ملخصا‏.‏

وقال غيره‏:‏ يجب الأمر بالمعروف لمن قدر عليه ولم يخف على نفسه منه ضررا ولو كان الآمر متلبسا بالمعصية، لأنه في الجملة يؤجر على الأمر بالمعروف ولا سيما إن كان مطاعا، وأما إثمه الخاص به فقد يغفره الله له وقد يؤاخذه به، وأما من قال‏:‏ لا يأمر بالمعروف إلا من ليست فيه وصمة، فإن أراد أنه الأولى فجيد وإلا فيستلزم سد باب الأمر إذا لم يكن هناك غيره‏.‏

ثم قال الطبري‏:‏ فإن قيل كيف صار المأمورون بالمعروف في حديث أسامة المذكور في النار‏؟‏ والجواب أنهم لم يمتثلوا ما أمروا به فعذبوا بمعصيتهم وعذب أميرهم بكونه كان يفعل ما ينهاهم عنه، وفي الحديث تعظيم الأمراء والأدب معهم وتبليغهم ما يقول الناس فيهم ليكفوا ويأخذوا حذرهم بلطف وحسن تأدية بحيث يبلغ المقصود من غير أذية للغير‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ لَقَدْ نَفَعَنِي اللَّهُ بِكَلِمَةٍ أَيَّامَ الْجَمَلِ لَمَّا بَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ فَارِسًا مَلَّكُوا ابْنَةَ كِسْرَى قَالَ لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏عوف‏)‏ هو الأعرابي، والحسن هو البصري، والسند كله بصريون، وقد تقدم القول في سماع الحسن من أبي بكرة في كتاب الصلح، وقد تابع عوفا حميد الطويل عن الحسن أخرجه البزار وقال‏:‏ رواه عن الحسن جماعة وأحسنها إسنادا رواية حميد‏.‏

قوله ‏(‏لقد نفعني الله بكلمة أيام الجمل‏)‏ في رواية حميد ‏"‏ عصمني الله بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ وقد جمع عمر بن شبة في ‏"‏ كتاب أخبار البصرة ‏"‏ قصة الجمل مطولة، وها أنا ألخصها وأقتصر على ما أورده بسند صحيح أو حسن وأبين ما عداه، فأخرج من طريق عطية بن سفيان الثقفي عن أبيه قال‏:‏ لما كان الغد من قتل عثمان أقبلت مع علي فدخل المسجد فإذا جماعة علي وطلحة فخرج أبو جهم ابن حذيفة فقال‏:‏ يا على ألا ترى‏؟‏ فلم يتكلم، ودخل بيته فأتى بثريد فأكل ثم قال‏:‏ يقتل ابن عمي ونغلب على ملكه‏؟‏ فخرج إلى بيت المال ففتحه، فلما تسامع الناس تركوا طلحة‏.‏

ومن طريق مغيرة عن إبراهيم عن علقمة قال‏:‏ قال الأشتر رأيت طلحة والزبير بايعا عليا طائعين غير مكرهين‏.‏

ومن طريق أبي نضرة قال‏:‏ كان طلحة يقول إنه بايع وهو مكره‏.‏

ومن طريق داود بن أبي هند عن الشعبي قال‏:‏ لما قتل عثمان أتى الناس عليا وهو في سوق المدينة فقالوا له ابسط يدك نبايعك، فقال‏:‏ حتى يتشاور الناس‏.‏

فقال بعضهم‏:‏ لئن رجع الناس إلى أمصارهم بقتل عثمان ولم يقم بعده قائم لم يؤمن الاختلاف وفساد الأمة‏:‏ فأخذ الأشتر بيده فبايعوه‏.‏

ومن طريق ابن شهاب قال‏:‏ لما قتل عثمان وكان على خلا بينهم، فلما خشي أنهم يبايعون طلحة دعا الناس إلى بيعته فلم يعدلوا به طلحة ولا غيره، ثم أرسل إلى طلحة والزبير فبايعاه‏.‏

ومن طريق ابن شهاب أن طلحة والزبير استأذنا عليا في العمرة، ثم خرجا إلى مكة فلقيا عائشة فاتفقوا على الطلب بدم عثمان حتى يقتلوا قتلته‏.‏

ومن طريق عوف الأعرابي قال‏:‏ استعمل عثمان يعلى بن أمية على صنعاء وكان عظيم الشأن عنده، فلما قتل عثمان وكان يعلى قدم حاجا فأعان طلحة والزبير بأربعمائة ألف، وحمل سبعين رجلا من قريش، واشترى لعائشة جملا يقال له عسكر بثمانين دينارا‏.‏

ومن طريق عاصم بن كليب عن أبيه قال قال علي‏:‏ أتدرون بمن بليت‏؟‏ أطوع الناس في الناس عائشة، وأشد الناس الزبير، وأدهى الناس طلحة، وأيسر الناس يعلى بن أمية‏.‏

ومن طريق ابن أبي ليلى قال‏:‏ خرج علي في آخر شهر ربيع الآخر سنة ست وثلاثين ومن طريق محمد بن علي بن أبي طالب قال‏:‏ سار علي من المدينة ومعه تسعمائة راكب فنزل بذي قار‏.‏

ومن طريق قيس بن أبي حازم قال‏:‏ لما أقبلت عائشة فنزلت بعض مياه بني عامر نبحت عليها الكلاب فقالت‏:‏ أي ماء هذا‏؟‏ قالوا‏:‏ الحوأب - بفتح الحاء المهملة وسكون الواو بعدها همزة ثم موحدة - قالت ما أظنني إلا راجعة، فقال لها بعض من كان معها‏:‏ بل تقدمين فيراك المسلمون فيصلح الله ذات بينهم، فقالت‏:‏ إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لنا ذات يوم‏:‏ كيف بإحداكن تنبح عليها كلاب الحوأب‏.‏

وأخرج هذا أحمد وأبو يعلى والبزار وصححه ابن حبان والحاكم وسنده على شرط الصحيح‏.‏

وعند أحمد‏:‏ فقال لها الزبير، تقدمين فذكره‏.‏

ومن طريق عصام بن قدامة عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنسائه‏:‏ أيتكن صاحبة الجمل الأدبب - بهمزة مفتوحة ودال ساكنة ثم موحدتين الأولى مفتوحة - تخرج حتى تنبحها كلاب الحوأب يقتل عن يمينها وعن شمالها قتلى كثيرة وتنجو من بعدما كادت‏.‏

وهذا رواه البزار ورجاله ثقات‏.‏

وأخرج البزار من طريق زيد بن وهب قال‏:‏ بينا نحن حول حذيفة إذ قال‏:‏ كيف أنتم وقد خرج أهل بيت نبيكم فرقتين يضرب بعضكم وجوه بعض بالسيف‏؟‏ قلنا‏:‏ يا أبا عبد الله فكيف نصنع إذا أدركنا ذلك‏؟‏ قال‏:‏ انظروا إلى الفرقة التي تدعو إلى أمر علي بن أبي طالب فإنها على الهدى‏.‏

وأخرج الطبراني من حديث ابن عباس قال‏:‏ بلغ أصحاب علي حين ساروا معه أن أهل البصرة اجتمعوا بطلحة والزبير فشق عليهم ووقع في قلوبهم، فقال علي‏:‏ والذي لا إله غيره لنظهرن على أهل البصرة ولنقتلن طلحة والزبير الحديث، وفي سنده إسماعيل بن عمرو البجلي وفيه ضعف‏.‏

وأخرج الطبراني من طريق محمد بن قيس قال‏:‏ ذكر لعائشة يوم الجمل قالت‏:‏ والناس يقولون يوم الجمل‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم‏.‏

قالت‏:‏ وددت أني جلست كما جلس غيري فكان أحب إلي من أن أكون ولدت من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة كلهم مثل عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام‏.‏

وفي سنده أبو معشر نجيح المدني وفيه ضعف‏.‏

وأخرج إسحاق بن راهويه من طريق سالم المرادي سمعت الحسن يقول‏:‏ لما قدم على البصرة في أمر طلحة وأصحابه قام قيس بن عباد وعبد الله بن الكواء فقالا له‏:‏ أخبرنا عن مسيرك هذا فذكر حديثا طويلا في مبايعته أبا بكر ثم عمر ثم عثمان ثم ذكر طلحة والزبير فقال‏:‏ بايعاني بالمدينة وخالفاني بالبصرة، ولو أن رجلا ممن بايع أبا بكر خالفه لقاتلناه‏.‏

وكذلك عمر‏.‏

وأخرج أحمد والبزار بسند حسن من حديث أبي رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي بن أبي طالب‏:‏ إنه سيكون بينك وبين عائشة أمر، قال‏:‏ فأنا أشقاهم يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ لا ولكن إذا كان ذلك فأرددها إلى مأمنها‏.‏

وأخرج إسحاق من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن عبد السلام رجل من حيه قال‏:‏ خلا علي بالزبير يوم الجمل فقال‏:‏ أنشدك الله هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وأنت لاوي يدي‏:‏ لتقاتلنه وأنت ظالم له ثم لينصرن عليك‏؟‏ قال‏:‏ قد سمعت، لا جرم لا أقاتلك‏.‏

وأخرج أبو بكر بن أبي شيبة من طريق عمر ابن هجنع - بفتح الهاء والجيم وتشديد النون بعدها مهملة - عن أبي بكرة وقيل له‏:‏ ما منعك أن تقاتل مع أهل البصرة يوم الجمل‏؟‏ فقال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ يخرج قوم هلكى لا يفلحون قائدهم امرأة في الجنة‏.‏

فكأن أبا بكرة أشار إلى هذا الحديث فامتنع من القتال معهم، ثم استصوب رأيه في ذلك الترك لما رأى غلبة علي‏.‏

وقد أخرج الترمذي والنسائي الحديث المذكور من طريق حميد الطويل عن الحسن البصري عن أبي بكرة بلفظ ‏"‏ عصمني الله بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ فذكر الحديث قال ‏"‏ فلما قدمت عائشة ذكرت ذلك فعصمني الله ‏"‏ وأخرج عمر بن شبة من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن أن عائشة أرسلت إلى أبي بكرة فقال‏:‏ إنك لأم، وإن حقك لعظيم، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ لن يفلح قوم تملكهم امرأة‏.‏

قوله ‏(‏لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن فارسا‏)‏ قال ابن مالك‏:‏ كذا وقع مصروفا والصواب عدم صرفه‏.‏

وقال الكرماني هو يطلق على الفرس وعلى بلادهم، فعلى الأول يصرف إلا أن يراد القبيلة، وعلى الثاني يجوز الأمران كسائر البلاد انتهى‏.‏

وقد جوز بعض أهل اللغة صرف الأسماء كلها‏.‏

قوله ‏(‏ملكوا ابنة كسرى‏)‏ في رواية حميد ‏"‏ لما هلك كسرى قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ من استخلفوا‏؟‏ قالوا‏:‏ ابنته‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة‏)‏ بالنصب على المفعولية‏.‏

وفي رواية حميد ‏"‏ ولي أمرهم امرأة ‏"‏ بالرفع على أنها الفاعل، وكسرى المذكور هو شيرويه بن أبرويز بن هرمز، واسم ابنته المذكورة بوران‏.‏

وقد تقدم في آخر المغازي في ‏"‏ باب كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى ‏"‏ شرح ذلك‏.‏

وقوله ‏"‏ولوا أمرهم امرأة ‏"‏ زاد الإسماعيلي من طريق النضر بن شميل عن عوف في آخره ‏"‏ قال أبو بكرة‏:‏ فعرفت أن أصحاب الجمل لن يفلحوا ‏"‏ ونقل ابن بطال عن المهلب أن ظاهر حديث أبي بكرة يوهم توهين رأى عائشة فيما فعلت‏.‏

وليس كذلك لأن المعروف من مذهب أبي بكرة أنه كان على رأي عائشة في طلب الإصلاح بين الناس، ولم يكن قصدهم القتال، لكن لما انتشبت الحرب لم يكن لمن معها بد من المقاتلة، ولم يرجع أبو بكرة عن رأي عائشة وإنما تفرس بأنهم يغلبون لما رأى الذين مع عائشة تحت أمرها لما سمع في أمر فارس، قال‏:‏ ويدل لذلك أن أحدا لم ينقل أن عائشة ومن معها نازعوا عليا في الخلافة ولا دعوا إلى أحد منهم ليولوه الخلافة، وإنما أنكرت هي ومن معها على منعه من قتل قتلة عثمان وترك الاقتصاص منهم، وكان على ينتظر من أولياء عثمان أن يتحاكموا إليه، فإذا ثبت على أحد بعينه أنه ممن قتل عثمان اقتص منه، فاختلفوا بحسب ذلك، وخشي من نسب إليهم القتل أن يصطلحوا على قتلهم فأنشبوا الحرب بينهم إلى أن كان ما كان‏.‏

فلما انتصر علي عليهم حمد أبو بكرة رأيه في ترك القتال معهم وإن كان رأيه كان موافقا لرأي عائشة في الطلب بدم عثمان‏.‏

انتهى كلامه، وفي بعضه نظر يظهر مما ذكرته ومما سأذكره‏.‏

وتقدم قريبا في ‏"‏ باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما ‏"‏ من حديث الأحنف أنه كان خرج لينصر عليا فلقيه أبو بكرة فنهاه عن القتال، وتقدم قبله بباب من قول أبي بكرة لما حرق ابن الحضرمي ما يدل على أنه كان لا يرى القتال في مثل ذلك أصلا فليس هو على رأي عائشة ولا على رأي علي في جواز القتال بين المسلمين أصلا، وإنما كان رأيه الكف وفاقا لسعد ابن أبي وقاص ومحمد ابن مسلمة وعبد الله بن عمر وغيرهم، ولهذا لم يشهد صفين مع معاوية ولا علي‏.‏

قال ابن التين‏:‏ احتج بحديث أبي بكرة من قال لا يجوز أن تولى المرأة القضاء وهو قول الجمهور، وخالف ابن جرير الطبري فقال يجوز أن تقضي فيما تقبل شهادتها فيه، وأطلق بعض المالكية الجواز‏.‏

وقال ابن التين أيضا‏:‏ كلام أبي بكرة يدل على أنه لولا عائشة لكان مع طلحة والزبير لأنه لو تبين له خطؤهما لكان مع علي‏.‏

وكذا قال وأغفل قسما ثالثا وهو أنه كان يرى الكف عن القتال في الفتنة كما تقدم تقريره، وهذا هو المعتمد، ولا يلزم من كونه ترك القتال مع أهل بلده للحديث المذكور أن لا يكون مانعه من القتال سبب آخر وهو ما تقدم من نهيه الأحنف عن القتال واحتجاجه بحديث ‏"‏ إذا التقى المسلمان بسيفيهما ‏"‏ كما تقدم قريبا‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ حَدَّثَنَا أَبُو حَصِينٍ حَدَّثَنَا أَبُو مَرْيَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ الْأَسَدِيُّ قَالَ لَمَّا سَارَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَعَائِشَةُ إِلَى الْبَصْرَةِ بَعَثَ عَلِيٌّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ وَحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ فَقَدِمَا عَلَيْنَا الْكُوفَةَ فَصَعِدَا الْمِنْبَرَ فَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَوْقَ الْمِنْبَرِ فِي أَعْلَاهُ وَقَامَ عَمَّارٌ أَسْفَلَ مِنْ الْحَسَنِ فَاجْتَمَعْنَا إِلَيْهِ فَسَمِعْتُ عَمَّارًا يَقُولُ إِنَّ عَائِشَةَ قَدْ سَارَتْ إِلَى الْبَصْرَةِ وَ وَاللَّهِ إِنَّهَا لَزَوْجَةُ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَكِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ابْتَلَاكُمْ لِيَعْلَمَ إِيَّاهُ تُطِيعُونَ أَمْ هِيَ

الشرح‏:‏

حديث عمار في حق عائشة أخرجه من وجهين مطولا ومختصرا‏.‏

قوله ‏(‏حدثنا عبد الله بن محمد‏)‏ هو الجعفي المسندي، وأبو حصين بفتح أوله هو عثمان بن عاصم، وأبو مريم المذكور أسدي كوفي هو وجميع رواة الإسناد إلا شيخه وشيخ البخاري، وقد وثق أبا مريم المذكور العجلي والدار قطني، وما له في البخاري إلا هذا الحديث‏.‏

قوله ‏(‏لما سار طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة‏)‏ ذكر عمر بن شبة بسند جيد أنهم توجهوا من مكة بعد أن أهلت السنة، وذكر بسند له آخر أن الوقعة بينهم كانت في النصف من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين، وذكر من رواية المدائني عن العلاء أبي محمد عن أبيه قال‏:‏ جاء رجل إلى علي وهو بالزاوية فقال‏:‏ علام تقاتل هؤلاء‏؟‏ قال‏:‏ على الحق، قال‏:‏ فإنهم يقولون إنهم على الحق، قال‏:‏ أقاتلهم على الخروج من الجماعة ونكث البيعة‏.‏

وأخرج الطبري من طريق عاصم بن كليب الجرمي عن أبيه قال‏:‏ رأيت في زمن عثمان أن رجلا أميرا مرض وعند رأسه امرأة والناس يريدونه فلو نهتهم المرأة لانتهوا ولكنها لم تفعل فقتلوه‏.‏

ثم غزوت تلك السنة فبلغنا قتل عثمان، فلما رجعنا من غزاتنا وانتهينا إلى البصرة قيل لنا‏:‏ هذا طلحة والزبير وعائشة فتعجب الناس وسألوهم عن سبب مسيرهم فذكروا أنهم خرجوا غضبا لعثمان وتوبة مما صنعوا من خذلانه‏.‏

وقالت عائشة‏:‏ غضبنا لكم على عثمان في ثلاث إمارة الفتى وضرب السوط والعصا فما أنصفناه إن لم نغضب له في ثلاث‏:‏ حرمة الدم والشهر والبلد‏.‏

قال فسرت أنا ورجلان من قومي إلى علي وسلمنا عليه وسألناه فقال‏:‏ عدا الناس على هذا الرجل فقتلوه وأنا معتزل عنهم ثم ولوني ولولا الخشية على الدين لم أجبهم، ثم استأذنني الزبير وطلحة في العمرة فأخذت عليهما العهود وأذنت لهما فعرضا أم المؤمنين لما لا يصلح لها فبلغني أمرهم فخشيت أن ينفتق في الإسلام فتق فأتبعتهم، فقال أصحابه‏:‏ والله ما نريد قتالهم إلا أن يقاتلوا، وما خرجنا إلا للإصلاح‏.‏

فذكر القصة وفيها أن أول ما وقعت الحرب أن صبيان العسكرين تسابوا ثم تراموا ثم تبعهم العبيد ثم السفهاء فنشبت الحرب، وكانوا خندقوا على البصرة فقتل قوم وجرح آخرون، وغلب أصحاب علي ونادى مناديه‏:‏ لا تتبعوا مدبرا ولا تجهزوا جريحا ولا تدخلوا دار أحد، ثم جمع الناس وبايعهم واستعمل ابن عباس على البصرة ورجع إلى الكوفة‏.‏

وأخرج ابن أبي شيبة بسند جيد عن عبد الرحمن بن أبزى قال‏:‏ انتهى عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي إلى عائشة يوم الجمل وهي في الهودج فقال‏:‏ يا أم المؤمنين أتعلمين أني أتيتك عندما قتل عثمان فقلت ما تأمريني، فقلت ألزم عليا‏؟‏ فسكتت‏.‏

فقال‏:‏ اعقروا الجمل فعقروه، فنزلت أنا وأخوها محمد فاحتملنا هودجها فوضعناه بين يدي علي، فأمر بها فأدخلت بيتا‏.‏

وأخرج أيضا بسند صحيح عن زيد بن وهب قال فكف على يده حتى بدءوه بالقتال فقاتلهم بعد الظهر فما غربت الشمس وحول الجمل أحد، فقال علي‏:‏ لا تتمموا جريحا ولا تقتلوا مدبرا ومن أغلق بابه وألقى سلاحه فهو أمن‏.‏

وأخرج الشافعي من رواية علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب قال‏:‏ دخلت على مروان بن الحكم فقال‏:‏ ما رأيت أحدا أكرم غلبة من أبيك - يعني عليا - ما هو إلا أن ولينا يوم الجمل فنادى مناديه‏:‏ لا يقتل مدبر ولا يذفف على جريح‏.‏

وأخرج الطبري وابن أبي شيبة وإسحاق من طريق عمرو بن جاوان عن الأحنف قال‏:‏ حججت سنة قتل عثمان فدخلت المدينة فذكر كلام عثمان في تذكيرهم بمناقبه، وقد تقدم في ‏"‏ باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما ‏"‏ ثم ذكر اعتزاله الطائفتين قال‏:‏ ثم التقوا فكان أول قتيل طلحة ورجع الزبير فقتل‏.‏

وأخرج الطبري بسند صحيح عن علقمة قال قلت للأشتر‏:‏ قد كنت كارها لقتل عثمان فكيف قاتلت يوم الجمل‏؟‏ قال‏:‏ إن هؤلاء بايعوا عليا ثم نكثوا عهده، وكان الزبير هو الذي حرك عائشة على الخروج فدعوت الله أن يكفينيه، فلقيني كفه بكفه فما رضيت لشدة ساعدي أن قمت في الركاب فضربته على رأسه ضربة فصرعته، فذكر القصة في أنهما سلما‏.‏

قوله ‏(‏بعث على عمار بن ياسر وحسن بن علي فقدما علينا الكوفة‏)‏ ذكر عمر بن شبة والطبري سبب ذلك بسندهما إلى ابن أبي ليلى قال‏:‏ كان علي أقر أبا موسى على إمرة الكوفة، فلما خرج من المدينة أرسل هاشم بن عتبة بن أبي وقاص إليه أن أنهض من قبلك من المسلمين وكن من أعواني على الحق، فاستشار أبو موسى السائب بن مالك الأشعري فقال‏:‏ اتبع ما أمرك به، قال‏:‏ إني لا أرى ذلك، وأخذ في تخذيل الناس عن النهوض، فكتب هاشم إلى علي بذلك وبعث بكتابه مع عقل بن خليفة الطائي، فبعث على عمار ابن ياسر والحسن بن علي يستنفران الناس، وأمر قرظة بن كعب على الكوفة، فلما قرأ كتابه على أبي موسى اعتزل ودخل الحسن وعمار المسجد‏.‏

وأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن زيد بن وهب قال‏:‏ أقبل طلحة والزبير حتى نزلا البصرة فقبضا على عامل علي عليها ابن حنيف، وأقبل علي حتى نزل بذي قار، فأرسل عبد الله بن عباس إلى الكوفة فأبطؤوا عليه، فأرسل إليهم عمارا فخرجوا إليه‏.‏

قوله ‏(‏فصعد المنبر، فكان الحسن بن علي فوق المنبر في أعلاه وقام عمار أسفل من الحسن، فاجتمعنا إليه فسمعت عمارا يقول‏)‏ زاد الإسماعيلي من وجه آخر عن أبي بكر بن عياش ‏"‏ صعد عمار المنبر فحض الناس في الخروج إلى قتال عائشة ‏"‏ وفي رواية إسحاق بن راهويه عن يحيى بن آدم بالسند المذكور ‏"‏ فقال عمار‏:‏ إن أمير المؤمنين بعثنا إليكم لنستنفركم، فإن أمنا قد سارت إلى البصرة ‏"‏ وعند عمر بن شبة عن حبان ابن بشر عن يحيى بن آدم في حديث الباب ‏"‏ فكان عمار يخطب والحسن ساكت ‏"‏ ووقع في رواية ابن أبي ليلى في القصة المذكورة ‏"‏ فقال الحسن‏:‏ إن عليا يقول إني أذكر الله رجلا رعى لله حقا إلا نفر، فإن كنت مظلوما أعانني وإن كنت ظالما أخذلني، والله إن طلحة والزبير لأول من بايعني ثم نكثا، ولم أستأثر بمال ولا بدلت حكما ‏"‏ قال فخرج إليه اثنا عشر ألف رجل‏.‏

قوله ‏(‏إن عائشة قد سارت إلى البصرة، ووالله إنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة؛ ولكن الله ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أم هي‏)‏ في رواية إسحاق ‏"‏ ليعلم أنطيعه أم إياها ‏"‏ وفي رواية الإسماعيلي من طريق أحمد بن يونس عن أبي بكر بن عياش بعد قوله قد سارت إلى البصرة ‏"‏ ووالله إني لأقول لكم هذا ووالله إنها لزوجة نبيكم ‏"‏ زاد عمر بن شبة في روايته ‏"‏ وأن أمير المؤمنين بعثنا إليكم وهو بذي قار ‏"‏ ووقع عند ابن أبي شيبة من طريق شمر بن عطية عن عبد الله بن زياد قال ‏"‏ قال عمار إن أمنا سارت مسيرها هذا، وإنها والله زوج محمد صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلانا بها ليعلم إياه نطيع أو إياها ‏"‏ ومراد عمار بذلك أن الصواب في تلك القصة كان مع علي وأن عائشة مع ذلك لم تخرج بذلك عن الإسلام ولا أن تكون زوجة النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة‏.‏

فكان ذلك يعد من إنصاف عمار وشدة ورعه وتحريه قول الحق‏.‏

وقد أخرج الطبري بسند صحيح عن أبي يزيد المديني قال ‏"‏ قال عمار بن ياسر لعائشة لما فرغوا من الجمل‏:‏ ما أبعد هذا المسير من العهد الذي عهد إليكم ‏"‏ يشير إلى قوله تعالى ‏(‏وقرن في بيوتكن‏)‏ فقالت‏:‏ أبو اليقظان‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏

قالت‏:‏ والله إنك ما علمت لقوال بالحق‏.‏

قال‏:‏ الحمد لله الذي قضى لي على لسانك‏.‏

وقوله ‏"‏ليعلم إياه تطيعون أم هي ‏"‏ قال بعض الشراح‏:‏ الضمير في إياه لعلي، والمناسب أن يقال أم إياها لا هي، وأجاب الكرماني بأن الضمائر يقوم بعضها مقام بعض انتهى وهو على بعض الآراء‏.‏

وقد وقع في رواية إسحاق بن راهويه في مسنده عن يحيى بن آدم بسند حديث الباب ‏"‏ ولكن الله ابتلانا بها ليعلم أنطيعه أم إياها ‏"‏ فظهر أن ذلك من تصرف الرواة وأما قوله إن الضمير في إياه لعلي فالظاهر خلافه، وأنه لله تعالى، والمراد إظهار المعلوم كما في نظائره‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي غَنِيَّةَ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَامَ عَمَّارٌ عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ فَذَكَرَ عَائِشَةَ وَذَكَرَ مَسِيرَهَا وَقَالَ إِنَّهَا زَوْجَةُ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَكِنَّهَا مِمَّا ابْتُلِيتُمْ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏عن ابن أبي غنية‏)‏ بفتح الغين المعجمة وكسر النون وتشديد التحتانية هو عبد الملك بن حميد، ماله في البخاري إلا هذا الحديث، وصرح بذلك أبو زرعة الدمشقي في روايته عن أبي نعيم شيخ البخاري فيه أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في مستخرجه، والحكم هو ابن عيينة، والسند كله كوفيون‏.‏

قوله ‏(‏قام عمار على منبر الكوفة‏)‏ هذا طرف من الحديث الذي قبله، وأراد البخاري بإيراده تقوية حديث أبي مريم لكونه مما انفرد به عنه أبو حصين، وقله رواه أيضا عن الحكم شعبة أخرجه الإسماعيلي وزاد في أوله قال ‏"‏ لما بعث على عمارا والحسن إلى الكوفة يستنفرهم خطب عمار ‏"‏ فذكره قال ابن هبيرة‏:‏ في هذا الحديث أن عمارا كان صادق اللهجة وكان لا تستخفه الخصومة إلى أن ينتقص خصمه، فإنه شهد لعائشة بالفضل التام مع ما بينهما من الحرب انتهى‏.‏

وفيه جواز ارتفاع ذي الأمر فوق من هو أسن منه وأعظم سابقة في الإسلام وفضلا، لأن الحسن ولد أمير المؤمنين فكان حينئذ هو الأمير على من أرسلهم علي وعمار من جملتهم، فصعد الحسن أعلى المنبر فكان فوق عمار وإن كان في عمار من الفضل ما يقتضي رجحانه فضلا عن مساواته‏.‏

ويحتمل أن يكون عمار فعل ذلك تواضعا مع الحسن وإكراما له من أجل جده صلى الله عليه وسلم وفعله الحسن مطاوعة له لا تكبرا عليه‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا بَدَلُ بْنُ الْمُحَبَّرِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنِي عَمْرٌو سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ يَقُولُ دَخَلَ أَبُو مُوسَى وَأَبُو مَسْعُودٍ عَلَى عَمَّارٍ حَيْثُ بَعَثَهُ عَلِيٌّ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ يَسْتَنْفِرُهُمْ فَقَالَا مَا رَأَيْنَاكَ أَتَيْتَ أَمْرًا أَكْرَهَ عِنْدَنَا مِنْ إِسْرَاعِكَ فِي هَذَا الْأَمْرِ مُنْذُ أَسْلَمْتَ فَقَالَ عَمَّارٌ مَا رَأَيْتُ مِنْكُمَا مُنْذُ أَسْلَمْتُمَا أَمْرًا أَكْرَهَ عِنْدِي مِنْ إِبْطَائِكُمَا عَنْ هَذَا الْأَمْرِ وَكَسَاهُمَا حُلَّةً حُلَّةً ثُمَّ رَاحُوا إِلَى الْمَسْجِدِ

الشرح‏:‏

حديث أبي موسى وأبي مسعود وعمار بن ياسر فيما يتعلق بوقعة الجمل أخرجه من طريقين‏.‏

قوله ‏(‏أخبرني عمرو‏)‏ هو ابن مرة، وصرح به في رواية أحمد بن حنبل عن محمد بن جعفر وكذا الإسماعيلي في روايته من طريق عبد الله بن المبارك كلاهما عن شعبة‏.‏

قوله ‏(‏حيث بعثه على إلى أهل الكوفة يستنفرهم‏)‏ في رواية الكشميهني ‏"‏ حين ‏"‏ بدل ‏"‏ حيث ‏"‏ وفي رواية الإسماعيلي ‏"‏ يستنفر أهل الكوفة إلى أهل البصرة‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏ما رأيناك أتيت أمرا أكره عندنا من إسراعك في هذا الأمر منذ أسلمت‏)‏ زاد في الرواية الثانية أن الذي تولى خطاب عمار ذلك هو أبو مسعود وهو عقبة بن عمرو الأنصاري، وكان يومئذ يلي لعلي بالكوفة كما كان أبو موسى يلي لعثمان‏.‏

قوله ‏(‏وكساهما حلة‏)‏ في رواية الإسماعيلي ‏"‏ فكساهما حلة حلة ‏"‏ وبين في الرواية التي تلي هذه أن فاعل كسا هو أبو مسعود، وهو في هذه الرواية محتمل فيحمل على ذلك‏.‏

قوله ‏(‏ثم راحوا إلى المسجد‏)‏ في رواية الإسماعيلي ‏"‏ ثم خرجوا إلى الصلاة يوم الجمعة ‏"‏ وفي رواية محمد ابن جعفر ‏"‏ فقام أبو مسعود فبعث إلى كل واحد منهما حلة ‏"‏ قال ابن بطال‏:‏ فيما دار بينهم دلالة على أن كلا من الطائفتين كان مجتهدا ويرى أن الصواب معه قال‏:‏ وكان أبو مسعود موسرا جوادا، وكان اجتماعهم عند أبي مسعود في يوم الجمعة فكسا عمارا حلة ليشهد بها الجمعة لأنه كان في ثياب السفر وهيئة الحرب، فكره أن يشهد الجمعة في تلك الثياب وكره أن يكسوه بحضرة أبي موسى ولا يكسو أبا موسى فكسا أبا موسى أيضا‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَبْدَانُ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِي مَسْعُودٍ وَأَبِي مُوسَى وَعَمَّارٍ فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ مَا مِنْ أَصْحَابِكَ أَحَدٌ إِلَّا لَوْ شِئْتُ لَقُلْتُ فِيهِ غَيْرَكَ وَمَا رَأَيْتُ مِنْكَ شَيْئًا مُنْذُ صَحِبْتَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْيَبَ عِنْدِي مِنْ اسْتِسْرَاعِكَ فِي هَذَا الْأَمْرِ قَالَ عَمَّارٌ يَا أَبَا مَسْعُودٍ وَمَا رَأَيْتُ مِنْكَ وَلَا مِنْ صَاحِبِكَ هَذَا شَيْئًا مُنْذُ صَحِبْتُمَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْيَبَ عِنْدِي مِنْ إِبْطَائِكُمَا فِي هَذَا الْأَمْرِ فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ وَكَانَ مُوسِرًا يَا غُلَامُ هَاتِ حُلَّتَيْنِ فَأَعْطَى إِحْدَاهُمَا أَبَا مُوسَى وَالْأُخْرَى عَمَّارًا وَقَالَ رُوحَا فِيهِ إِلَى الْجُمُعَةِ

الشرح‏:‏

وقوله ‏"‏أعيب ‏"‏ بالعين المهملة والموحدة أفعل تفضيل من العيب، وجعل كل منهم الإبطاء والإسراع عيبا بالنسبة لما يعتقده، فعمار لما في الإبطاء من مخالفة الإمام وترك امتثال ‏(‏فقاتلوا التي تبغي‏)‏ والآخران لما ظهر لهما من ترك مباشرة القتال في الفتنة، وكان أبو مسعود على رأي أبي موسى في الكف عن القتال تمسكا بالأحاديث الواردة في ذلك وما في حمل السلاح على المسلم من الوعيد، وكان عمار على رأي علي في قتال الباغين والناكثين والتمسك بقوله تعالى ‏(‏فقاتلوا التي تبغي‏)‏ وحمل الوعيد الوارد في القتال على من كان متعديا على صاحبه‏.‏

‏(‏تنبيه‏)‏ ‏:‏ وقع في رواية النسفي وكذا الإسماعيلي قبل سياق سند ابن أبي غنية ‏"‏ باب ‏"‏ بغير ترجمة، وسقط للباقين وهو الصواب لأن فيه الحديث الذي قبله، وإن كان فيه زيادة في القصة‏.‏

*3*http://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifباب إِذَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏باب إذا أنزل الله بقوم عذابا‏)‏ حذف الجواب اكتفاء بما وقع في الحديث‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا أَصَابَ الْعَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏عبد الله بن عثمان‏)‏ هو عبدان، وعبد الله شيخه هو ابن المبارك، ويونس هو ابن يزيد‏.‏

قوله ‏(‏إذا أنزل الله بقوم عذابا‏)‏ أي عقوبة لهم على سيئ أعمالهم‏.‏

قوله ‏(‏أصاب العذاب من كان فيهم‏)‏ في رواية أبي النعمان عن ابن المبارك ‏"‏ أصاب به من بين أظهرهم ‏"‏ أخرجه الإسماعيلي، والمراد من كان فيهم ممن ليس هو على رأيهم‏.‏

قوله ‏(‏ثم بعثوا على أعمالهم‏)‏ أي بعث كل واحد منهم على حسب عمله إن كان صالحا فعقباه صالحة وإلا فسيئة، فيكون ذلك العذاب طهرة للصالحين ونقمة على الفاسقين‏.‏

وفي صحيح ابن حبان عن عائشة مرفوعا ‏"‏ إن الله إذا أنزل سطوته بأهل نقمته وفيهم الصالحون قبضوا معهم ثم بعثوا على نياتهم وأعمالهم ‏"‏ وأخرجه البيهقي في ‏"‏ الشعب ‏"‏ وله من طريق الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب عنها مرفوعا ‏"‏ إذا ظهر السوء في الأرض أنزل الله بأسه فيهم، قيل‏:‏ يا رسول الله وفيهم أهل طاعته‏؟‏ قال‏:‏ نعم، ثم يبعثون إلى رحمة الله تعالى ‏"‏ قال ابن بطال‏:‏ هذا الحديث يبين حديث زينب بنت جحش حيث قالت ‏"‏ أنهلك وفينا الصالحون‏؟‏ قال‏:‏ نعم إذا كثر الخبث ‏"‏ فيكون إهلاك الجميع عند ظهور المنكر والإعلان بالمعاصي‏.‏

قلت‏:‏ الذي يناسب كلامه الأخير حديث أبي بكر الصديق ‏"‏ سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب ‏"‏ أخرجه الأربعة وصححه ابن حبان، وأما حديث ابن عمر في الباب وحديث زينب بنت جحش فمتناسبان، وقد أخرجه مسلم عقبه، ويجمعهما أن الهلاك يعم الطائع مع العاصي، وزاد حديث ابن عمر أن الطائع عند البعث يجازي بعمله، ومثله حديث عائشة مرفوعا ‏"‏ العجب أن ناسا من أمتي يؤمون هذا البيت حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم، فقلنا‏:‏ يا رسول الله إن الطريق قد تجمع الناس، قال‏:‏ نعم فيهم المستبصر والمجبور وابن السبيل يهلكون مهلكا واحدا ويصدرون مصادر شتى، يبعثهم الله على نياتهم ‏"‏ أخرجه مسلم‏.‏

وله من حديث أم سلمة نحوه ولفظه ‏"‏ فقلت يا رسول الله فكيف بمن كان كارها‏؟‏ قال‏:‏ يخسف به معهم ولكنه يبعث يوم القيامة على نيته ‏"‏ وله من حديث جابر رفعه ‏"‏ يبعث كل عبد على ما مات عليه ‏"‏ وقال الداودي‏:‏ معنى حديث ابن عمر أن الأمم التي تعذب على الكفر يكون بينهم أهل أسواقهم ومن ليس منهم فيصاب جميعهم بآجالهم ثم يبعثون على أعمالهم، ويقال إذا أراد الله عذاب أمة أعقم نساءهم خمس عشرة سنة قبل أن يصابوا لئلا يصاب الولدان الذين لم يجر عليهم القلم انتهى‏.‏

وهذا ليس له أصل وعموم حديث عائشة يرده، وقد شوهدت السفينة ملأى من الرجال والنساء والأطفال تغرق فيهلكون جميعا، ومثله الدار الكبيرة تحرق، والرفقة الكثيرة تخرج عليها قطاع الطريق فيهلكون جميعا أو أكثرهم، والبلد من بلاد المسلمين يهجمها الكفار فيبذلون السيف في أهلها، وقد وقع ذلك من الخوارج قديما ثم من القرامطة ثم من الططر أخيرا والله المستعان‏.‏

قال القاضي عياض‏:‏ أورد مسلم حديث جابر ‏"‏ يبعث كل عبد على ما مات عليه ‏"‏ تعقب حديث جابر أيضا رفعه ‏"‏ لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله ‏"‏ يشير إلى أنه مفسر له، ثم أعقبه بحديث ‏"‏ ثم بعثوا على أعمالهم ‏"‏ مشيرا إلى أنه وإن كان مفسرا لما قبله لكنه ليس مقصورا عليه بل هو عام فيه وفي غيره، ويؤيده الحديث الذي ذكره بعده ‏"‏ ثم يبعثهم الله على نياتهم ‏"‏ انتهى ملخصا‏.‏

والحاصل أنه لا يلزم من الاشتراك في الموت الاشتراك في الثواب أو العقاب بل يجازي كل أحد بعمله على حسب نيته‏.‏

وجنح ابن أبي جمرة إلى أن الذين يقع لهم ذلك إنما يقع بسبب سكوتهم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأما من أمر ونهى فهم المؤمنون حقا لا يرسل الله عليهم العذاب بل يدفع بهم العذاب، ويؤيده قوله تعالى ‏(‏وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون‏)‏ وقوله تعالى ‏(‏وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون‏)‏ ويدل على تعميم العذاب لمن لم ينه عن المنكر وإن لم يتعطاه قوله تعالى ‏(‏فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم‏)‏ ويستفاد من هذا مشروعية الهرب من الكفار ومن الظلمة لأن الإقامة معهم من إلقاء النفس إلى التهلكة، هذا إذا لم يعنهم ولم يرض بأفعالهم فإن أعان أو رضي فهو منهم، ويؤيده أمره صلى الله عليه وسلم بالإسراع في الخروج من ديار ثمود‏.‏

وأما بعثهم على أعمالهم فحكم عدل لأن أعمالهم الصالحة إنما يجازون بها في الآخرة، وأما في الدنيا فمهما أصابهم من بلاء كان تكفيرا لما قدموه من عمل سيئ، فكان العذاب المرسل في الدنيا على الذين ظلموا يتناول من كان معهم ولم ينكر عليهم فكان ذلك جزاء لهم على مداهنتهم، ثم يوم القيامة يبعث كل منهم فيجازى بعمله‏.‏

وفي الحديث تحذير وتخويف عظيم لمن سكت عن النهي، فكيف بمن داهن، فكيف بمن رضي، فكيف بمن عاون‏؟‏ نسأل الله السلامة‏.‏

قلت‏:‏ ومقتضى كلامه أن أهل الطاعة لا يصيبهم العذاب في الدنيا بجريرة العصاة، وإلى ذلك جنح القرطبي في ‏"‏ التذكرة ‏"‏ وما قدمناه قريبا أشبه بظاهر الحديث‏.‏

وإلى نحوه مال القاضي ابن العربي، وسيأتي ذلك في الكلام على حديث زينب بنت جحش ‏"‏ أنهلك وفينا الصالحون‏؟‏ قال‏:‏ نعم إذا كثر الخبث ‏"‏ في آخر كتاب الفتن‏.‏

*3*http://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifباب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ إِنَّ ابْنِي هَذَا لَسَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏باب قول النبي صلى الله عليه وسلم للحسن بن علي‏:‏ إن ابني هذا لسيد‏)‏ في رواية المروزي والكشميهني ‏"‏ سيد ‏"‏ بغير لام وكذا لهم في مثل هذه الترجمة في كتاب الصلح وبحذف إن وساق المتن هناك بلفظ ‏"‏ إن ابني هذا سيد ‏"‏ وساقه هنا بحذفها فأشار في كل من الموضعين إلى ما وقع في الآخر، وقد أخرجه هناك عن عبد الله بن محمد عن سفيان بتمامه، ثم نقل عن علي بن عبد الله ما يتعلق بسماع الحسن من أبي بكرة وساقه هنا عن علي بن عبد الله فلم يذكر ذلك ولم أر في شيء من طرق المتن ‏"‏ لسيد ‏"‏ باللام كما وقع في هذه الترجمة، وقد أخرجه الإسماعيلي من رواية سبعة أنفس عن سفيان بن عيينة وبين اختلاف ألفاظهم وذكر في الباب الحديث المذكور وحديثا لأسامة بن زيد‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ أَبُو مُوسَى وَلَقِيتُهُ بِالْكُوفَةِ وَجَاءَ إِلَى ابْنِ شُبْرُمَةَ فَقَالَ أَدْخِلْنِي عَلَى عِيسَى فَأَعِظَهُ فَكَأَنَّ ابْنَ شُبْرُمَةَ خَافَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَفْعَلْ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ لَمَّا سَارَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالْكَتَائِبِ قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ لِمُعَاوِيَةَ أَرَى كَتِيبَةً لَا تُوَلِّي حَتَّى تُدْبِرَ أُخْرَاهَا قَالَ مُعَاوِيَةُ مَنْ لِذَرَارِيِّ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ أَنَا فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ نَلْقَاهُ فَنَقُولُ لَهُ الصُّلْحَ قَالَ الْحَسَنُ وَلَقَدْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرَةَ قَالَ بَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ جَاءَ الْحَسَنُ

فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏حدثنا إسرائيل أبو موسى‏)‏ هي كنية إسرائيل واسم أبيه موسى فهو ممن وافقت كنيته اسم أبيه فيؤمن فيه من التصحيف، وهو بصري كان يسافر في التجارة إلى الهند وأقام بها مدة‏.‏

قوله ‏(‏ولقيته بالكوفة‏)‏ قائل ذلك هو سفيان بن عيينة والجملة حالية‏.‏

قوله ‏(‏وجاء إلى ابن شبرمة‏)‏ هو عبد الله قاضي الكوفة في خلافة أبي جعفر المنصور ومات في خلافته سنة أربع وأربعين ومائة وكان صارما عفيفا ثقة فقيها‏.‏

قوله ‏(‏فقال أدخلني على عيسى فأعظه‏)‏ بفتح الهمزة وكسر العين المهملة وفتح الظاء المشالة من الوعظ، وعيسى هو ابن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ابن أخي المنصور وكان أميرا على الكوفة إذ ذاك‏.‏

قوله ‏(‏فكأن‏)‏ بالتشديد ‏(‏ابن شبرمة خاف عليه‏)‏ أي على إسرائيل ‏(‏فلم يفعل‏)‏ أي فلم يدخله على عيسى بن موسى، ولعل سبب خوفه عليه أنه كان صادعا بالحق فخشي أنه لا يتلطف بعيسى فيبطش به لما عنده من غرة الشباب وغرة الملك، قال ابن بطال‏:‏ دل ذلك من صنيع ابن شبرمة على أن من خاف على نفسه سقط عنه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكانت وفاة عيسى المذكور في خلافة المهدي سنة ثمان وستين ومائة‏.‏

قوله ‏(‏قال حدثنا الحسن‏)‏ يعني البصري والقائل ‏"‏ حدثنا ‏"‏ هو إسرائيل المذكور، قال البزار في مسنده بعد أن أخرج هذا الحديث عن خلف بن خليفة عن سفيان بن عيينة‏:‏ لا نعلم رواه عن إسرائيل غير سفيان، وتعقبه مغلطاي بأن البخاري أخرجه في علامات النبوة من طريق حسين بن علي الجعفي عن أبي موسى وهو إسرائيل هذا، وهو تعقب جيد ولكن لم أر فيه القصة وإنما أخرج فيه الحديث المرفوع فقط‏.‏

قوله ‏(‏لما سار الحسن بن علي إلى معاوية بالكتائب‏)‏ في رواية عبد الله بن محمد عن سفيان في كتاب الصلح ‏"‏ استقبل والله الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال ‏"‏ والكتائب بمثناة وآخره موحدة جمع كتيبة بوزن عظيمة وهي طائفة من الجيش تجتمع وهي فعيلة بمعنى مفعولة لأن أمير الجيش إذا رتبهم وجعل كل طائفة على حدة كتبهم في ديوانه كذلك، ذكر ذلك ابن التين عن الداودي، ومنه قيل‏:‏ مكتب بني فلان، قال وقوله ‏"‏ أمثال الجبال ‏"‏ أي لا يرى لها طرف لكثرتها كما لا يرى من قابل الجبل طرفه، ويحتمل أن يريد شدة البأس‏.‏

وأشار الحسن البصري بهذه القصة إلى ما اتفق بعد قتل علي رضي الله عنه، وكان علي لما انقضى أمر التحكيم ورجع إلى الكوفة تجهز لقتال أهل الشام مرة بعد أخرى فشغله أمر الخوارج بالنهروان كما تقدم وذلك في سنة ثمان وثلاثين، ثم تجهز في سنة تسع وثلاثين فلم يتهيأ ذلك لافتراق آراء أهل العراق عليه، ثم وقع الجد منه في ذلك في سنة أربعين فأخرج إسحاق من طريق عبد العزيز بن سياه بكسر المهملة وتخفيف الياء آخر الحروف قال‏:‏ لما خرج الخوارج قام علي فقال‏:‏ أتسيرون إلى الشام أو ترجعون إلى هؤلاء الذين خلفوكم في دياركم‏؟‏ قالوا‏:‏ بل نرجع إليهم، فذكر قصة الخوارج قال فرجع علي إلى الكوفة، فلما قتل واستخلف الحسن وصالح معاوية كسب إلى قيس بن سعد بذلك فرجع عن قتال معاوية‏.‏

وأخرج الطبري بسند صحيح عن يونس ابن يزيد عن الزهري قال‏:‏ جعل علي على مقدمة أهل العراق قيس بن سعد بن عبادة وكانوا أربعين ألفا بايعوه على الموت، فقتل علي فبايعوا الحسن بن علي بالخلافة، وكان لا يحب القتال ولكن كان يريد أن يشترط على معاوية لنفسه، فعرف أن قيس بن سعد لا يطاوعه على الصلح فنزعه وأمر عبد الله بن عباس فاشترط لنفسه كما اشترط الحسن‏.‏

وأخرج الطبري والطبراني من طريق إسماعيل بن راشد قال‏:‏ بعث الحسن قيس بن سعد على مقدمته في اثني عشر ألفا - يعني من الأربعين - فسار قيس إلى جهة الشام‏.‏

وكان معاوية لما بلغه قتل علي خرج في عساكر من الشام، وخرج الحسن بن علي حتى نزل المدائن، فوصل معاوية إلى مسكن وقال ابن بطال‏:‏ ذكر أهل العلم بالأخبار أن عليا لما قتل سار معاوية يريد العراق وسار الحسن يريد الشام فالتقيا بمنزل من أرض الكوفة، فنظر الحسن إلى كثرة من معه فنادى‏:‏ يا معاوية إني اخترت ما عند الله، فإن يكن هذا الأمر لك فلا ينبغي لي أن أنازعك فيه وإن يكن لي فقد تركته لك فكبر أصحاب معاوية‏.‏

وقال المغيرة عند ذلك‏:‏ أشهد أني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ‏"‏ إن ابني هذا سيد ‏"‏ الحديث وقال في آخره‏:‏ فجزاك الله عن المسلمين خيرا انتهى وفي صحة هذا نظر من أوجه‏:‏ الأول أن المحفوظ أن معاوية هو الذي بدأ بطلب الصلح كما في حديث الباب الثاني أن الحسن ومعاوية لم يتلاقيا بالعسكرين حتى يمكن أن يتخاطبا وإنما تراسلا، فيحمل قوله ‏"‏ فنادى يا معاوية ‏"‏ على المراسلة، ويجمع بأن الحسن راسل معاوية بذلك سرا فراسله معاوية جهرا، والمحفوظ أن كلام الحسن الأخير إنما وقع بعد الصلح والاجتماع كما أخرجه سعيد بن منصور والبيهقي في ‏"‏ الدلائل ‏"‏ من طريقه ومن طريق غيره بسندهما إلى الشعبي قال‏:‏ لما صالح الحسن بن علي معاوية؛ قال له معاوية قم فتكلم، فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإن أكيس الكيس التقى وإن أعجز العجز الفجور، ألا وإن هذا الأمر الذي اختلفت فيه أنا ومعاوية حق لامرئ كان أحق به مني، أو حق لي تركته لإرادة إصلاح المسلمين وحقن دمائهم، وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين‏.‏

ثم استغفر ونزل‏.‏

وأخرج يعقوب بن سفيان ومن طريقه أيضا البيهقي في ‏"‏ الدلائل ‏"‏ من طريق الزهري فذكر القصة وفيها‏:‏ فخطب معاوية ثم قال‏:‏ قم يا حسن فكلم الناس، فتشهد ثم قال‏:‏ أيها الناس إن الله هداكم بأولنا وحقن دماءكم بآخرنا، وإن لهذا الأمر مدة والدنيا دول‏.‏

وذكر بقية الحديث‏.‏

والثالث أن الحديث لأبي بكرة لا للمغيرة، لكن الجمع ممكن بأن يكون المغيرة حدث به عندما سمع مراسلة الحسن بالصلح وحدث به أبو بكرة بعد ذلك، وقد روى أصل الحديث جابر أورده الطبراني والبيهقي في ‏"‏ الدلائل ‏"‏ من فوائد يحيى بن معين بسند صحيح إلى جابر، وأورده الضياء في ‏"‏ الأحاديث المختارة مما ليس في الصحيحين ‏"‏ وعجبت للحاكم في عدم استدراكه مع شدة حرصه على مثله، قال ابن بطال‏:‏ سلم الحسن لمعاوية الأمر وبايعه على إقامة كتاب الله وسنة نبيه، ودخل معاوية الكوفة وبايعه الناس فسميت سنة الجماعة لاجتماع الناس وانقطاع الحرب‏.‏

وبايع معاوية كل من كان معتزلا للقتال كابن عمر وسعد بن أبي وقاص ومحمد ابن مسلمة، وأجاز معاوية الحسن بثلاثمائة ألف وألف ثوب وثلاثين عبدا ومائة جمل، وانصرف إلى المدينة، وولى معاوية الكوفة المغيرة بن شعبة والبصرة عبد الله بن عامر ورجع إلى دمشق‏.‏

قوله ‏(‏قال عمرو بن العاص لمعاوية‏:‏ أرى كتيبة لا تولى‏)‏ بالشديد أي لا تدبر‏.‏

قوله ‏(‏حتى تدبر أخراها‏)‏ أي التي تقابلها، ونسبها إليها لتشاركهما في المحاربة، وهذا على أن يدبر من أدبر رباعيا، ويحتمل أن يكون من دبر يدبر بفتح أوله وضم الموحدة أي يقوم مقامها يقال دبرته إذا بقيت بعده، وتقدم في رواية عبد الله بن محمد في الصلح ‏"‏ إني لأرى كتائب لا تولى حتى تقتل أقرانها ‏"‏ وهي أبين، قال عياض‏:‏ هي الصواب، ومقتضاه أن الأخرى خطأ وليس كذلك بل توجيهها ما تقدم‏.‏

وقال الكرماني‏:‏ يحتمل أيضا أن تراد الكتيبة الأخيرة التي هي من جملة تلك الكتائب، أي لا ينهزمون بأن ترجع الأخرى أولى‏.‏

قوله ‏(‏قال معاوية من لذراري المسلمين‏)‏ أي من يكفلهم إذا قتل آباؤهم‏؟‏ زاد في الصلح ‏"‏ فقال له معاوية وكان والله خير الرجلين - يعني معاوية -‏:‏ أي عمرو إن قتل هؤلاء هؤلاء وهؤلاء هؤلاء من لي بأمور الناس، من لي بنسائهم، من لي بضيعتهم ‏"‏ يشير إلى أن رجال العسكرين معظم من في الإقليمين فإذا قتلوا ضاع أمر الناس وفسد حال أهلهم بعدهم وذراريهم، والمراد بقوله ‏"‏ ضيعتهم ‏"‏ الأطفال والضعفاء سموا باسم ما يؤول إليه أمرهم لأنهم إذا تركوا ضاعوا لعدم استقلالهم بأمر المعاش‏.‏

وفي رواية الحميدي عن سفيان في هذه القصة ‏"‏ من لي بأمورهم، من لي بدمائهم، من لي بنسائهم ‏"‏ وأما قوله هنا في جواب قول معاوية ‏"‏ من لذراري المسلمين‏؟‏ فقال‏:‏ أنا ‏"‏ فظاهره يوهم أن المجيب بذلك هو عمرو بن العاص، ولم أر في طرق الخبر ما يدل على ذلك، فإن كانت محفوظة فلعلها كانت ‏"‏ فقال أني ‏"‏ بتشديد النون المفتوحة قالها عمرو على سبيل الاستبعاد‏.‏

وأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن الزهري قال ‏"‏ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص في بعث ذات السلاسل ‏"‏ فذكر أخبارا كثيرة من التاريخ إلى أن قال ‏"‏ وكان قيس بن سعد ابن عبادة على مقدمة الحسن بن علي، فأرسل إليه معاوية سجلا قد ختم في أسفله فقال‏:‏ اكتب فيه ما تريد فهو لك، فقال له عمرو بن العاص‏:‏ بل نقاتله، فقال معاوية - وكان خير الرجلين -‏:‏ على رسلك يا أبا عبد الله، لا تخلص إلى قتل هؤلاء حتى يقتل عددهم من أهل الشام، فما خير الحياة بعد ذلك‏؟‏ وإني والله لا أقاتل حتى لا أجد من القتال بدا‏.‏

قوله ‏(‏فقال عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة‏:‏ نلقاه فنقول له الصلح‏)‏ أي تشير عليه بالصلح، وهذا ظاهره أنهما بدا بذلك، والذي تقدم في كتاب الصلح أن معاوية هو الذي بعثهما، فيمكن الجمع بأنهما عرضا أنفسهما فوافقهما ولفظه هناك ‏"‏ فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس ‏"‏ أي ابن عبد مناف بن قصي ‏"‏ عبد الرحمن بن سمرة ‏"‏ زاد الحميدي في مسنده عن سفيان بن حبيب بن عبد شمس ‏"‏ قال سفيان وكانت له صحبة ‏"‏ قلت‏:‏ وهو راوي حديث ‏"‏ لا تسأل الإمارة ‏"‏ وسيأتي شيء من خبره في كتاب الأحكام‏.‏

وعبد الله بن عامر بن كريز بكاف وراء ثم زاي مصغر زاد الحميدي ‏"‏ ابن حبيب بن عبد شمس ‏"‏ وقد مضى له ذكر في كتاب الحج وغيره، وهو الذي ولاه معاوية البصرة بعد الصلح، وبنو حبيب ابن عبد شمس بنو عم بني أمية بن عبد شمس، ومعاوية هو ابن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية ‏(‏فقال معاوية‏:‏ اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه‏)‏ أي ما شاء من المال ‏(‏وقولا له‏)‏ أي في حقن دماء المسلمين بالصلح ‏(‏واطلبا إليه‏)‏ أي اطلبا منه خلعه نفسه من الخلافة وتسليم الأمر لمعاوية وابذلا له في مقابلة ذلك ما شاء ‏(‏قال فقال لهما الحسن بن علي‏:‏ إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها، قالا فإنه يعرض عليك كذا وكذا ويطلب إليك ويسألك، قال فمن لي بهذا‏؟‏ قالا‏:‏ نحن لك به فما سألهما شيئا إلا قالا نحن لك به، فصالحه‏)‏ قال ابن بطال‏:‏ هذا يدل على أن معاوية كان هو الراغب في الصلح وأنه عرض على الحسن المال ورغبه فيه وحثه على رفع السيف وذكره ما وعده به جده صلى الله عليه وسلم من سيادته في الإصلاح به، فقال له الحسن‏:‏ إنا بنو عبد المطلب أصبنا من هذا المال، أي إنا جبلنا على الكرم والتوسعة على أتباعنا من الأهل والموالى وكنا نتمكن من ذلك بالخلافة حتى صار ذلك لنا عادة وقوله إن هذه الأمة أي العسكرين الشامي والعراقي ‏"‏ قد عاثت ‏"‏ بالمثلثة أي قتل بعضها بعضا فلا يكفون عن ذلك إلا بالصفح عما مضى منهم والتألف بالمال‏.‏

وأراد الحسن بذلك كله تسكين الفتنة وتفرقة المال على من لا يرضيه إلا المال، فوافقاه على ما شرط من جميع ذلك والتزما له من المال في كل عام والثياب والأقوات ما يحتاج إليه لكل من ذكر‏.‏

وقوله ‏"‏من لي بهذا ‏"‏ أي من يضمن لي الوفاء من معاوية‏؟‏ فقالا‏:‏ نحن نضمن لأن معاوية كان فوض لهما ذلك، ويحتمل أن يكون قوله ‏"‏ أصبنا من هذا المال ‏"‏ أي فرقنا منه في حياة علي وبعده ما رأينا في ذلك صلاحا فنبه على ذلك خشية أن يرجع عليه بما تصرف فيه‏.‏

وفي رواية إسماعيل ابن راشد عند الطبري ‏"‏ فبعث إليه معاوية عبد الله بن عامر وعبد الله بن سمرة بن حبيب ‏"‏ كذا قال عبد الله وكذا وقع عند الطبراني، والذي في الصحيح أصح، ولعل عبد الله كان مع أخيه عبد الرحمن، قال فقدما على الحسن بالمدائن فأعطياه ما أراد وصالحاه على أن يأخذ من بيت مال الكوفة خمسة آلاف ألف في أشياء اشترطها‏.‏

ومن طريق عوانة بن الحكم نحوه وزاد وكان الحسن صالح معاوية على أن يجعل له ما في بيت مال الكوفة وأن يكون له خراج دار أبجرد، وذكر محمد بن قدامة في ‏"‏ كتاب الخوارج ‏"‏ بسند قوي إلى أبي بصرة أنه سمع الحسن بن علي يقول في خطبته عند معاوية إني اشترطت على معاوية لنفسي الخلافة بعده‏.‏

وأخرج يعقوب بن سفيان بسند صحيح إلى الزهري قال‏:‏ كاتب الحسن بن علي معاوية واشترط لنفسه فوصلت الصحيفة لمعاوية وقد أرسل إلى الحسن يسأله الصلح ومع الرسول صحيفة بيضاء مختوم على أسفلها وكتب إليه أن اشترط ما شئت فهو لك، فاشترط الحسن أضعاف ما كان سأل أولا، فلما التقيا وبايعه الحسن سأله أن يعطيه ما اشترط في السجل الذي ختم معاوية في أسفله فتمسك معاوية إلا ما كان الحسن سأله أولا، واحتج بأنه أجاب سؤاله أول ما وقف عليه فاختلفا في ذلك فلم ينفذ للحسن من الشرطين شيء‏.‏

وأخرج ابن أبي خيثمة من طريق عبد الله بن شوذب قال‏:‏ لما قتل علي سار الحسن بن علي في أهل العراق ومعاوية في أهل الشام فالتقوا، فكره الحسن القتال وبايع معاوية على أن يجعل العهد للحسن من بعده فكان أصحاب الحسن يقولون له يا عار المؤمنين فيقول العار خير من النار‏.‏

قوله ‏(‏قال الحسن‏)‏ هو البصري وهو موصول بالسند المتقدم ووقع في رجال البخاري لأبي الوليد الباجي في ترجمة الحسن بن علي بن أبي طالب ما نصه ‏"‏ أخرج البخاري قول الحسن سمعت أبا بكرة ‏"‏ فتأوله الدار قطني وغيره على أنه الحسن بن علي لأن الحسن البصري عندهم لم يسمع من أبي بكرة، وحمله ابن المديني والبخاري على أنه الحسن البصري، قال الباجي‏:‏ وعندي أن الحسن الذي قال ‏"‏ سمعت هذا من أبي بكرة ‏"‏ إنما هو الحسن بن علي انتهى، وهو عجيب منه فإن البخاري قد أخرج متن هذا الحديث في علامات النبوة مجردا عن القصة من طريق حسين بن علي الجعفي عن أبي موسى - وهو إسرائيل بن موسى - عن الحسن عن أبي بكرة، وأخرجه البيهقي في ‏"‏ الدلائل ‏"‏ من رواية مبارك بن فضالة ومن رواية علي بن زيد كلاهما عن الحسن عن أبي بكرة وزاد في آخره ‏"‏ قال الحسن‏:‏ فلما ولى ما أهريق في سببه محجمة دم ‏"‏ فالحسن القائل هو البصري، والذي ولى هو الحسن بن علي، وليس للحسن بن علي في هذا رواية، وهؤلاء الثلاثة - إسرائيل ابن موسى ومبارك بن فضالة وعلي بن زيد - لم يدرك واحد منهم الحسن بن علي، وقد صرح إسرائيل بقوله ‏"‏ سمعت الحسن ‏"‏ وذلك فيما أخرجه الإسماعيلي عن الحسن بن سفيان عن الصلت بن مسعود عن سفيان ابن عيينة عن أبي موسى وهو إسرائيل ‏"‏ سمعت الحسن سمعت أبا بكرة ‏"‏ وهؤلاء كلهم من رجال الصحيح، والصلت من شيوخ مسلم، وقد استشعر ابن التين خطأ الباجي فقال‏:‏ قال الداودي الحسن مع قربه من النبي صلى الله عليه وسلم بحيث توفى النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن سبع سنين لا يشك في سماعه منه وله مع ذلك صحبة‏.‏

قال ابن التين‏:‏ الذي في البخاري إنما أراد سماع الحسن بن أبي الحسن البصري من أبي بكرة‏.‏

قلت‏:‏ ولعل الداودي إنما أراد رد توهم من يتوهم أنه الحسن بن علي فدفعه بما ذكر وهو ظاهر وإنما قال ابن المديني ذلك لأن الحسن كان يرسل كثيرا عمن لم يلقهم بصيغة ‏"‏ عن ‏"‏ فخشي أن تكون روايته عن أبي بكرة مرسلة فلما جاءت هذه الرواية مصرحة بسماعه من أبي بكرة ثبت عنده أنه سمعه منه، ولم أر ما نقله الباجي عن الدار قطني من أن الحسن هنا هو ابن علي في شيء من تصانيفه، وإنما قال في ‏"‏ التتبع لما في الصحيحين ‏"‏‏:‏ أخرج البخاري أحاديث عن الحسن عن أبي بكرة، والحسن إنما روى عن الأحنف عن أبي بكرة، وهذا يقتضي أنه عنده لم يسمع من أبي بكرة، لكن لم أر من صرح بذلك ممن تكلم في مراسيل الحسن كابن المديني وأبي حاتم وأحمد والبزار وغيرهم، نعم كلام ابن المديني يشعر بأنهم كانوا يحملونه على الإرسال حتى وقع هذا التصريح‏.‏

قوله ‏(‏بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب جاء الحسن فقال‏)‏ وقع في رواية علي بن زيد عن الحسن في ‏"‏ الدلائل ‏"‏ للبيهقي ‏"‏ يخطب أصحابه يوما إذ جاء الحسن بن علي فصعد إليه المنبر ‏"‏ وفي رواية عبد الله ابن محمد المذكورة ‏"‏ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول ‏"‏ ومثله في رواية ابن أبي عمر عن سفيان لكن قال ‏"‏ وهو يلتفت إلى الناس مرة وإليه أخرى‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏ابني هذا سيد‏)‏ في رواية عبد الله بن محمد ‏"‏ إن ابني هذا سيد ‏"‏ وفي رواية مبارك بن فضالة ‏"‏ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضم الحسن بن علي إليه وقال‏:‏ إن ابني هذا سيد ‏"‏ وفي رواية علي ابن زيد ‏"‏ فضمه إليه وقال‏:‏ ألا إن ابني هذا سيد‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏ولعل الله أن يصلح به‏)‏ كذا استعمل ‏"‏ لعل ‏"‏ استعمال عسى لاشتراكهما في الرجاء، والأشهر في خبر ‏"‏ لعل ‏"‏ بغير ‏"‏ أن ‏"‏ كقوله تعالى ‏(‏لعل الله يحدث‏)‏ ‏.‏

قوله ‏(‏بين فئتين من المسلمين‏)‏ زاد عبد الله بن محمد في روايته ‏"‏ عظيمتين ‏"‏ وكذا في رواية مبارك ابن فضالة وفي رواية علي بن زيد كلاهما عن الحسن عند البيهقي‏.‏

وأخرج من طريق أشعث بن عبد الملك عن الحسن كالأول لكنه قال ‏"‏ وإني لأرجو أن يصلح الله به ‏"‏ وجزم في حديث جابر ولفظه عند الطبراني والبيهقي ‏"‏ قال للحسن‏:‏ إن ابني هذا سيد يصلح الله به بين فئتين من المسلمين ‏"‏ قال البزار‏:‏ روى هذا الحديث عن أبي بكرة وعن جابر، وحديث أبي بكرة أشهر وأحسن إسنادا، وحديث جابر غريب‏.‏

وقال الدار قطني‏:‏ اختلف على الحسن فقيل عنه عن أم سلمة، وقيل عن ابن عيينة عن أيوب عن الحسن، وكل منهما وهم‏.‏

ورواه داود بن أبي هند وعوف الأعرابي عن الحسن مرسلا‏.‏

وفي هذه القصة من الفوائد علم من أعلام النبوة، ومنقبة للحسن بن علي فإنه ترك الملك لا لقلة ولا لذلة ولا لعلة بل لرغبته فيما عند الله لما رآه من حقن دماء المسلمين، فراعى أمر الدين ومصلحة الأمة‏.‏

وفيها رد على الخوارج الذين كانوا يكفرون عليا ومن معه ومعاوية ومن معه بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم للطائفتين بأنهم من المسلمين، ومن ثم كان سفيان ابن عيينة يقول عقب هذا الحديث‏:‏ قوله ‏"‏ من المسلمين ‏"‏ يعجبنا جدا أخرجه يعقوب بن سفيان في تاريخه عن الحميدي وسعيد بن منصور عنه‏.‏

وفيه فضيلة الإصلاح بين الناس ولا سيما في حقن دماء المسلمين، ودلالة على رأفة معاوية بالرعية، وشفقته على المسلمين، وقوة نظره في تدبير الملك، ونظره في العواقب‏.‏

وفيه ولاية المفضول الخلافة مع وجود الأفضل لأن الحسن ومعاوية ولى كل منهما الخلافة وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد في الحياة وهما بدريان قاله ابن التين‏.‏

وفيه جواز خلع الخليفة نفسه إذا رأى في ذلك صلاحا للمسلمين والنزول عن الوظائف الدينية والدنيوية بالمال، وجواز أخذ المال على ذلك وإعطائه بعد استيفاء شرائطه بأن يكون المنزول له أولى من النازل وأن يكون المبذول من مال الباذل‏.‏

فإن كان في ولاية عامة وكان المبذول من بيت المال اشترط أن تكون المصلحة في ذلك عامة، أشار إلى ذلك ابن بطال قال‏:‏ يشترط أن يكون لكل من الباذل والمبذول له سبب في الولاية يستند إليه، وعقد من الأمور يعول عليه‏.‏

وفيه أن السيادة لا تختص بالأفضل بل هو الرئيس على القوم والجمع سادة، وهو مشتق من السؤدد وقيل من السواد لكونه يرأس على السواد العظيم من الناس أي الأشخاص الكثيرة وقال المهلب الحديث دال على أن السيادة إنما يستحقها من ينتفع به الناس، لكونه علق السيادة بالإصلاح‏.‏

وفيه إطلاق الابن علي ابن البنت، وقد انعقد الإجماع على أن امرأة الجد والد الأم محرمة على ابن بنته، وأن امرأة ابن البنت محرمة على جده، وإن اختلفوا في التوارث‏.‏

واستدل به على تصويب رأي من قعد عن القتال مع معاوية وعلي وإن كان علي أحق بالخلافة وأقرب إلى الحق، وهو قول سعد بن أبي وقاص وابن عمر ومحمد بن مسلمة وسائر من اعتزل تلك الحروب‏.‏

وذهب جمهور أهل السنة إلى تصويب من قاتل مع علي لامتثال قوله تعالى ‏(‏وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا‏)‏ الآية ففيها الأمر بقتال الفئة الباغية، وقد ثبت أن من قاتل عليا كانوا بغاة، وهؤلاء مع هذا التصويب متفقون على أنه لا يذم واحد من هؤلاء بل يقولون اجتهدوا فأخطؤوا، وذهب طائفة قليلة من أهل السنة - وهو قول كثير من المعتزلة - إلى أن كلا من الطائفتين مصيب، وطائفة إلى أن المصيب طائفة لا بعينها‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ قَالَ عَمْرٌو أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ أَنَّ حَرْمَلَةَ مَوْلَى أُسَامَةَ أَخْبَرَهُ قَالَ عَمْرٌو قَدْ رَأَيْتُ حَرْمَلَةَ قَالَ أَرْسَلَنِي أُسَامَةُ إِلَى عَلِيٍّ وَقَالَ إِنَّهُ سَيَسْأَلُكَ الْآنَ فَيَقُولُ مَا خَلَّفَ صَاحِبَكَ فَقُلْ لَهُ يَقُولُ لَكَ لَوْ كُنْتَ فِي شِدْقِ الْأَسَدِ لَأَحْبَبْتُ أَنْ أَكُونَ مَعَكَ فِيهِ وَلَكِنَّ هَذَا أَمْرٌ لَمْ أَرَهُ فَلَمْ يُعْطِنِي شَيْئًا فَذَهَبْتُ إِلَى حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ وَابْنِ جَعْفَرٍ فَأَوْقَرُوا لِي رَاحِلَتِي

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏سفيان‏)‏ هو ابن عيينة‏.‏

قوله ‏(‏قال قال عمرو‏)‏ هو ابن دينار‏.‏

قوله ‏(‏أخبرني محمد بن علي‏)‏ أي ابن الحسن بن علي وهو أبو جعفر الباقر‏.‏

وفي رواية محمد بن عباد عند الإسماعيلي عن سفيان ‏"‏ عن عمرو عن أبي جعفر‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏أن حرملة قال‏)‏ في رواية محمد بن عباد ‏"‏ أن حرملة مولى أسامة أخبره ‏"‏ وحرملة هذا في الأصل مولى أسامة بن زيد، وكان يلازم زيد بن ثابت حتى صار يقال له مولى زيد بن ثابت، وقيل هما اثنان‏.‏

وفي هذا السند ثلاثة من التابعين في نسق‏:‏ عمرو وأبو جعفر وحرملة‏.‏

قوله ‏(‏أن عمرو‏)‏ ابن دينار ‏(‏قال قد رأيت حرملة‏)‏ فيه إشارة إلى أن عمرا كان يمكنه الأخذ عن حرملة لكنه لم يسمع منه هذا‏.‏

قوله ‏(‏أرسلني أسامة‏)‏ أي من المدينة ‏(‏إلى علي‏)‏ أي بالكوفة، لم يذكر مضمون الرسالة ولكن دل مضمون قوله ‏"‏ فلم يعطني شيئا ‏"‏ على أنه كان أرسله يسأل عليا شيئا من المال‏.‏

قوله ‏(‏وقال إنه سيسألك الآن فيقول‏:‏ ما خلف صاحبك إلخ‏)‏ هذا هيأه أسامة اعتذارا عن تخلفه عن علي لعلمه أن عليا كان ينكر على من تخلف عنه ولا سيما مثل أسامة الذي هو من أهل البيت، فاعتذر بأنه لم يتخلف ضنا منه بنفسه عن علي ولا كراهة له، وأنه لو كان في أشد الأماكن هو لا لأحب أن يكون معه فيه ويواسيه بنفسه، ولكنه إنما تخلف لأجل كراهيته في قتل المسلمين، وهذا معنى قوله ‏"‏ ولكن هذا أمر لم أره‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏لو كنت في شدق الأسد‏)‏ بكسر المعجمة ويجوز فتحها وسكون الدال المهملة بعدها قاف أي جانب فمه من داخل، ولكل فم شدقان إليهما ينتهي شق الفم وعند مؤخرهما ينتهي الحنك الأعلى والأسفل، ورجل أشدق واسع الشدقين، ويتشدق في كلامه إذا فتح فمه وأكثر القول فيه واتسع فيه، وهو كناية عن الموافقة حتى في حالة الموت، لأن الذي يفترسه الأسد بحيث يجعله في شدقه في عداد من هلك، ومع ذلك فقال‏:‏ لو وصلت إلى هذا المقام لأحببت أن أكون معك فيه مواسيا لك بنفسي‏.‏

ومن المناسبات اللطيفة تمثيل أسامة بشيء يتعلق بالأسد‏.‏

ووقع في ‏"‏ تنقيح الزركشي ‏"‏ أن القاضي - يعني عياضا - ضبط الشدق بالذال المعجمة قال‏:‏ وكلام الجوهري يقتضي أنه بالدال المهملة‏.‏

وقال لي بعض من لقيته من الأئمة‏:‏ إنه غلط على القاضي، قلت‏:‏ وليس كذلك فإنه ذكره في ‏"‏ المشارق ‏"‏ في الكلام على حديث سمرة الطويل في الذي يشرشر شدقه فإنه ضبط الشدق بالذال المعجمة، وتبعه ابن قرقول في ‏"‏ المطالع‏"‏‏.‏

نعم هو غلط فقد ضبط في جميع كتب اللغة بالدال المهملة والله أعلم‏.‏

قال ابن بطال‏:‏ أرسل أسامة إلى علي يعتذر عن تخلفه عنه في حروبه، ويعلمه أنه من أحب الناس إليه، وأنه يحب مشاركته في السراء والضراء، إلا أنه لا يرى قتال المسلم، قال‏:‏ والسبب في ذلك أنه لما قتل ذلك الرجل - يعني الماضي ذكره في ‏"‏ باب ومن أحياها ‏"‏ في أوائل الديات ولامه النبي صلى الله عليه وسلم بسبب ذلك، آلى على نفسه أن لا يقاتل مسلما‏.‏

فذلك سبب تخلفه عن علي في الجمل وصفين انتهى ملخصا‏.‏

وقال ابن التين‏:‏ إنما منع عليا أن يعطى رسول أسامة شيئا لأنه لعله سأله شيئا من مال الله فلم ير أن يعطيه لتخلفه عن القتال معه، وأعطاه الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر لأنهم كانوا يرونه واحدا منهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجلسه على فخذه ويجلس الحسن على الفخذ الآخر ويقول ‏"‏ اللهم إني أحبهما ‏"‏ كما تقدم في مناقبه‏.‏

قوله ‏(‏فلم يعطني شيئا‏)‏ هذه الفاء هي الفصيحة والتقدير فذهبت إلى علي فبلغته ذلك فلم يعطني شيئا‏.‏

ووقع في رواية ابن أبي عمر عن سفيان عند الإسماعيلي ‏"‏ فجئت بها - أي المقالة - فأخبرته فلم يعطني شيئا‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏فذهبت إلى حسن وحسين وابن جعفر فأوقروا لي راحلتي‏)‏ أي حملوا لي على راحلتي ما أطاقت حمله، ولم يعين في هذه الرواية جنس ما أعطوه ولا نوعه، والراحلة التي صلحت للركوب من الإبل ذكرا كان أو أنثى، وأكثر ما يطلق الوقر وهو بالكسر على ما يحمل البغل والحمار، وأما حمل البعير فيقال له الوسق، وابن جعفر هو عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وصرح بذلك في رواية محمد بن عباد وابن أبي عمر المذكورة، وكأنهم لما علموا أن عليا لم يعطه شيئا عوضوه من أموالهم من ثياب ونحوها قدر ما تحمله راحلته التي هو راكبها‏.‏

=========

*http://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifباب إِذَا قَالَ عِنْدَ قَوْمٍ شَيْئًا ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ بِخِلَافِهِ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏باب إذا قال عند قوم شيئا ثم خرج فقال بخلافه‏)‏ ذكر فيه حديث ابن عمر ‏"‏ ينصب لكل غادر لواء ‏"‏ وفيه قصة لابن عمر في بيعة يزيد بن معاوية، وحديث أبي برزة في إنكاره على الذين يقاتلون على الملك من أجل الدنيا، وحديث حذيفة في المنافقين، ومطابقة الأخير للترجمة ظاهرة، ومطابقة الأول لها من جهة أن في القول في الغيبة بخلاف ما في الحضور نوع غدر، وسيأتي في كتاب الأحكام ترجمة ما يكره من ثناء السلطان فإذا خرج قال غير ذلك، وذكر فيه قول ابن عمر لمن سأله عن القول عند الأمراء بخلاف ما يقال بعد الخروج عنهم‏:‏ كنا نعده نفاقا، وقد وقع في بعض طرقه أن الأمير المسئول عنه يزيد بن معاوية كما سيأتي في الأحكام، ومطابقة الثاني من جهة أن الذين عابوا أبو برزة كانوا يظهرون أنهم يقاتلون لأجل القيام بأمر الدين ونصر الحق وكانوا في الباطن إنما يقاتلون لأجل الدنيا‏.‏

ووقع لابن بطال هنا شيء فيه نظر فقال‏:‏ وأما قول أبي برزة فوجه موافقته للترجمة أن هذا القول لم يقله أبو برزة عند مروان حين بايعه بل بايع مروان واتبعه ثم سخط ذلك لما بعد عنه، ولعله أراد منه أن يترك ما نوزع فيه طلبا لما عند الله في الآخرة ولا يقاتل عليه كما فعل عثمان يعني من عدم المقاتلة لا من ترك الخلافة فلم يقاتل من نازعه بل ترك ذلك، وكما فعل الحسن بن علي حين ترك قتال معاوية حين نازعه الخلافة، فسخط أبو برزة على مروان تمسكه بالخلافة والقتال عليها فقال لأبي المنهال وابنه بخلاف ما قال لمروان حين بايع له‏.‏

قلت‏:‏ ودعواه أن أبا برزة بايع مروان ليس بصحيح، فإن أبا برزة كان مقيما بالبصرة ومروان إنما طلب الخلافة بالشام، وذلك أن يزيد بن معاوية لما مات دعا ابن الزبير إلى نفسه وبايعوه بالخلافة فأطاعه أهل الحرمين ومصر والعراق وما وراءها، وبايع له الضحاك بن قيس الفهري بالشام كلها إلا الأردن ومن بها من بني أمية ومن كان على هواهم، حتى هم مروان أن يرحل إلى ابن الزبير ويبايعه فمنعوه وبايعوا له بالخلافة، وحارب الضحاك بن قيس فهزمه وغلب على الشام، ثم توجه إلى مصر فغلب عليها، ثم مات في سنته فبايعوا بعده ابنه عبد الملك وقد أخرج ذلك الطبري واضحا‏.‏

وأخرج الطبراني بعضه من رواية عروة بن الزبير وفيه أن معاوية بن يزيد بن معاوية لما مات دعا مروان لنفسه فأجابه أهل فلسطين وأهل حمص فقاتله الضحاك بن قيس بمرج راهط فقتل الضحاك ثم مات مروان وقام عبد الملك، فذكر قصة الحجاج في قتاله عبد الله بن الزبير وقتله ثم قال ابن بطال‏:‏ وأما يمينه يعني أبا برزة على الذي بمكة يعني ابن الزبير فإنه لما وثب بمكة بعد أن دخل فيما دخل فيه المسلمون جعل أبو برزة ذلك نكثا منه وحرصا على الدنيا وهو أي أبو برزة في هذه - أي قصة ابن الزبير - أقوى رأيا منه في الأولى أي قصة مروان قال‏:‏ وكذلك القراء بالبصرة‏:‏ لأن أبا برزة كان لا يرى قتال المسلمين أصلا، فكان يرى لصاحب الحق أن يترك حقه لمن نازعه فيه ليؤجر على ذلك ويمدح بالإيثار على نفسه لئلا يكون سببا لسفك الدماء انتهى ملخصا ومقتضى كلامه أن مروان لما ولى الخلافة بايعه الناس أجمعون، ثم نكث ابن الزبير بيعته ودعا إلى نفسه، وأنكر عليه أبو برزة قتاله على الخلافة بعد أن دخل في طاعته وبايعه، وليس كذلك والذي ذكرته هو الذي توارد عليه أهل الأخبار بالأسانيد الجيدة، وابن الزبير لم يبايع لمروان قط بل مروان هم أن يبايع لابن الزبير ثم ترك ذلك ودعا إلى نفسه‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ لَمَّا خَلَعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ جَمَعَ ابْنُ عُمَرَ حَشَمَهُ وَوَلَدَهُ فَقَالَ إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِنَّا قَدْ بَايَعْنَا هَذَا الرَّجُلَ عَلَى بَيْعِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنِّي لَا أَعْلَمُ غَدْرًا أَعْظَمَ مِنْ أَنْ يُبَايَعَ رَجُلٌ عَلَى بَيْعِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُنْصَبُ لَهُ الْقِتَالُ وَإِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْكُمْ خَلَعَهُ وَلَا بَايَعَ فِي هَذَا الْأَمْرِ إِلَّا كَانَتْ الْفَيْصَلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية‏)‏ في رواية أبي العباس السراج في تاريخ عن أحمد بن منيع وزياد بن أيوب عن عفان عن صخر بن جويرية عن نافع ‏"‏ لما انتزى أهل المدينة مع عبد الله بن الزبير وخلعوا يزيد بن معاوية جمع عبد الله بن عمر بنيه ‏"‏ ووقع عند الإسماعيلي من طريق مؤمل بن إسماعيل عن حماد بن زيد في أوله من الزيادة عن نافع ‏"‏ أن معاوية أراد ابن عمر على أن يبايع ليزيد فأبى وقال لا أبايع لأميرين، فأرسل إليه معاوية بمائة ألف درهم فأخذها، فدس إليه رجلا فقال له ما يمنعك أن تبايع‏؟‏ فقال‏:‏ إن ذاك لذاك - يعني عطاء ذلك المال لأجل وقوع المبايعة - إن ديني عندي إذا لرخيص، فلما مات معاوية كتب ابن عمر إلى يزيد ببيعته، فلما خلع أهل المدينة ‏"‏ فذكره‏.‏

قلت‏:‏ وكان السبب فيه ما ذكره الطبري مسندا أن يزيد ابن معاوية كان أمر على المدينة ابن عمه عثمان بن محمد بن أبي سفيان، فأوفد إلى يزيد جماعة من أهل المدينة منهم عبد الله بن غسيل الملائكة حنظلة بن أبي عامر وعبد الله بن أبي عمرو بن حفص المخزومي في آخرين فأكرمهم وأجازهم، فرجعوا فأظهروا عيبه ونسبوه إلى شرب الخمر وغير ذلك، ثم وثبوا على عثمان فأخرجوه، وخلعوا يزيد ابن معاوية، فبلغ ذلك يزيد فجهز إليهم جيشا مع مسلم بن عقبة المري وأمره أن يدعوهم ثلاثا فإن رجعوا وإلا فقاتلهم، فإذا ظهرت فأبحها للجيش ثلاثا ثم أكفف عنهم‏.‏

فتوجه إليهم فوصل في ذي الحجة سنة ثلاثين فحاربوه، وكان الأمير على الأنصار عبد الله بن حنظلة وعلى قريش عبد الله بن مطيع وعلى غيرهم من القبائل معقل بن يسار الأشجعي، وكانوا اتخذوا خندقا، فلما وقعت الوقعة انهزم أهل المدينة، فقتل ابن حنظلة، وفر ابن مطيع، وأباح مسلم بن عقبة المدينة ثلاثا، فقتل جماعة صبرا، منهم معقل بن سنان ومحمد بن أبي الجهم ابن حذيفة ويزيد بن عبد الله بن زمعة وبايع الباقين على أنهم خول ليزيد‏.‏

وأخرج أبو بكر بن أبي خيثمة بسند صحيح إلى جويرية بن أسماء‏:‏ سمعت أشياخ أهل المدينة يتحدثون أن معاوية لما احتضر دعا يزيد فقال له ‏"‏ إن لك من أهل المدينة يوما، فإن فعلوا فارمهم بمسلم بن عقبة فإني عرفت نصيحته ‏"‏ فلما ولي يزيد وفد عليه عبد الله بن حنظلة وجماعة فأكرمهم وأجازهم، فرجع فحرض الناس على يزيد وعابه ودعاهم إلى خلع يزيد، فأجابوه‏.‏

فبلغ يزيد فجهز إليهم مسلم بن عقبة، فاستقبلهم أهل المدينة بجموع كثيرة، فهابهم أهل الشام وكرهوا قتالهم، فلما نشب القتال سمعوا في جوف المدينة التكبير، وذلك أن بني حارثة أدخلوا قوما من الشاميين من جانب الخندق، فترك أهل المدينة القتال ودخلوا المدينة خوفا على أهلهم، فكانت الهزيمة، وقتل من قتل وبايع مسلم الناس على أنهم خول ليزيد يحكم في دمائهم وأموالهم وأهلهم بما شاء‏.‏

وأخرج الطبراني من طريق محمد بن سعيد بن رمانة أن معاوية لما حضره الموت قال ليزيد قد وطأت لك البلاد ومهدت لك الناس ولست أخاف عليك إلا أهل الحجاز، فإن رابك منهم ريب فوجه إليهم مسلم بن عقبة فإني قد جربته وعرفت نصيحته، قال فلما كان من خلافهم عليه ما كان دعاه فوجهه فأباحها ثلاثا‏.‏

ثم دعاهم إلى بيعة يزيد وأنهم أعبد له قن في طاعة الله ومعصيته‏.‏

ومن رواية عروة بن الزبير قال‏:‏ لما مات معاوية أظهر عبد الله بن الزبير الخلاف على يزيد بن معاوية، فوجه يزيد مسلم ابن عقبة في جيش أهل الشام وأمره أن يبدأ بقتال أهل المدينة ثم يسير إلى ابن الزبير بمكة، قال فدخل مسلم ابن عقبة المدينة وبها بقايا من الصحابة فأسرف في القتل، ثم سار إلى مكة فمات في بعض الطريق‏.‏

وأخرج يعقوب بن سفيان في تاريخه بسند صحيح عن ابن عباس قال‏:‏ جاء تأويل هذه الآية على رأس ستين سنه ‏(‏ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها‏)‏ يعني إدخال بني حارثة أهل الشام على أهل المدينة في وقعة الحرة‏.‏

قال يعقوب‏:‏ وكانت وقعة الحرة في ذي القعدة سنة ثلاث وستين‏.‏

قوله ‏(‏حشمه‏)‏ بفتح المهملة ثم المعجمة، قال ابن التين‏:‏ الحشمة العصبة والمراد هنا خدمه ومن يغضب له‏.‏

وفي رواية صخر بن جويرية عن نافع عند أحمد ‏"‏ لما خلع الناس يزيد بن معاوية جمع ابن عمر بنيه وأهله ثم تشهد ثم قال‏:‏ أما بعد‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة‏)‏ زاد في رواية مؤمل ‏"‏ بقدر غدرته ‏"‏ وزاد في رواية صخر ‏"‏ فقال هذه غدرة فلان ‏"‏ أي علامة غدرته؛ والمراد بذلك شهرته وأن يفتضح بذلك على رءوس الأشهاد، وفيه تعظيم الغدر سواء كان من قبل الآمر أو المأمور وهذا القدر هو المرفوع من هذه القصة وقد تقدم معناه في ‏"‏ باب إثم الغادر للبر والفاجر ‏"‏ في أواخر كتاب الجزية والموادعة قبيل بدء الخلق‏.‏

قوله ‏(‏على بيع الله ورسوله‏)‏ أي على شرط ما أمر الله ورسوله به من بيعة الإمام، وذلك أن من بايع أميرا فقد أعطاه الطاعة وأخذ منه العطية فكان شبيه من باع سلعة وأخذ ثمنها، وقيل إن أصله أن العرب كانت إذا تبايعت تصافقت بالأكف عند العقد، وكذا كانوا يفعلون إذا تحالفوا، فسمو معاهدة الولاة والتماسك فيه بالأيدي بيعة‏.‏

ووقع في رواية مؤمل وصخر ‏"‏ على بيعة الله ‏"‏ وقد أخرج مسلم من حديث عبد الله بن عمرو رفعه ‏"‏ من بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع، فإن جاء أحد ينازعه فاضربوا عنق الآخر‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏ولا غدر أعظم‏)‏ في رواية صخر بن جويرية عن نافع المذكور ‏"‏ وإن من أعظم الغدر بعد الإشراك بالله أن يبايع رجل رجلا على بيع الله ثم ينكث بيعته‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏ثم ينصب له القتال‏)‏ بفتح أوله‏.‏

وفي رواية مؤمل ‏"‏ نصب له يقاتله‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏خلعه‏)‏ في رواية مؤمل ‏"‏ خلع يزيد ‏"‏ وزاد ‏"‏ أو خف في هذا الأمر ‏"‏ وفي رواية صخر ابن جويرية ‏"‏ فلا يخلعن أحد منكم يزيد ولا يسعى في هذا الأمر‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏ولا تابع في هذا الأمر‏)‏ كذا للأكثر بمثناة فوقانية ثم موحدة، وللكشميهني بموحدة ثم تحتانية‏.‏

قوله ‏(‏إلا كانت الفيصل بيني وبينه‏)‏ أي القاطعة وهي فيعل من فصل الشيء إذا قطعه‏.‏

وفي رواية مؤمل ‏"‏ فيكون الفيصل فيما بيني وبينه ‏"‏ وفي رواية صخر بن جويرية ‏"‏ فيكون صيلما بيني وبينه ‏"‏ والصيلم بمهملة مفتوحة وياء آخر الحروف ثم لام مفتوحة القطيعة‏.‏

وفي هذا الحديث وجوب طاعة الإمام الذي انعقدت له البيعة والمنع من الخروج عليه ولو جار في حكمه وأنه لا ينخلع بالفسق، وقد وقع في نسخة شعيب ابن أبي حمزة عن الزهري عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه في قصة الرجل الذي سأله عن قول الله تعالى ‏(‏وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا‏)‏ الآية أن ابن عمر قال ‏"‏ ما وجدت في نفسي في شيء من أمر هذه الأمة ما وجدت في نفسي أني لم أقاتل هذه الفئة الباغية كما أمر الله ‏"‏ زاد يعقوب بن سفيان في تاريخه من وجه آخر عن الزهري ‏"‏ قال حمزة فقلنا له‏:‏ ومن ترى الفئة الباغية‏؟‏ قال‏:‏ ابن الزبير بغى على هؤلاء القوم - يعني بني أمية - فأخرجهم من ديارهم ونكث عهدهم‏"‏‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ عَنْ عَوْفٍ عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ قَالَ لَمَّا كَانَ ابْنُ زِيَادٍ وَمَرْوَانُ بِالشَّأْمِ وَوَثَبَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ وَوَثَبَ الْقُرَّاءُ بِالْبَصْرَةِ فَانْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي إِلَى أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَيْهِ فِي دَارِهِ وَهُوَ جَالِسٌ فِي ظِلِّ عُلِّيَّةٍ لَهُ مِنْ قَصَبٍ فَجَلَسْنَا إِلَيْهِ فَأَنْشَأَ أَبِي يَسْتَطْعِمُهُ الْحَدِيثَ فَقَالَ يَا أَبَا بَرْزَةَ أَلَا تَرَى مَا وَقَعَ فِيهِ النَّاسُ فَأَوَّلُ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ تَكَلَّمَ بِهِ إِنِّي احْتَسَبْتُ عِنْدَ اللَّهِ أَنِّي أَصْبَحْتُ سَاخِطًا عَلَى أَحْيَاءِ قُرَيْشٍ إِنَّكُمْ يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ كُنْتُمْ عَلَى الْحَالِ الَّذِي عَلِمْتُمْ مِنْ الذِّلَّةِ وَالْقِلَّةِ وَالضَّلَالَةِ وَإِنَّ اللَّهَ أَنْقَذَكُمْ بِالْإِسْلَامِ وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَلَغَ بِكُمْ مَا تَرَوْنَ وَهَذِهِ الدُّنْيَا الَّتِي أَفْسَدَتْ بَيْنَكُمْ إِنَّ ذَاكَ الَّذِي بِالشَّأْمِ وَاللَّهِ إِنْ يُقَاتِلُ إِلَّا عَلَى الدُّنْيَا وَإِنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ وَاللَّهِ إِنْ يُقَاتِلُونَ إِلَّا عَلَى الدُّنْيَا وَإِنْ ذَاكَ الَّذِي بِمَكَّةَ وَاللَّهِ إِنْ يُقَاتِلُ إِلَّا عَلَى الدُّنْيَا

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏أبو شهاب‏)‏ هو عبد ربه بن نافع وعوف هو الأعرابي، والسند كله بصريون إلا ابن يونس، وأبو المنهال هو سيار بن سلامة‏.‏

قوله ‏(‏لما كان ابن زياد ومروان بالشام وثب ابن الزبير بمكة ووثب القراء بالبصرة‏)‏ ظاهره أن وثوب ابن الزبير وقع بعد قيام ابن زياد ومروان بالشام، وليس كذلك، وإنما وقع في الكلام حذف، وتحريره ما وقع عند الإسماعيلي من طريق يزيد بن زريع عن عوف قال ‏"‏ حدثنا أبو المنهال قال‏:‏ لما كان زمن أخرج ابن زياد يعني من البصرة وثب مروان بالشام ووثب ابن الزبير بمكة ووثب الذين يدعون القراء بالبصرة غم أبي غما شديدا ‏"‏ وكذا أخرجه يعقوب بن سفيان في تاريخه من طريق عبد الله بن المبارك عن عوف ولفظه ‏"‏ وثب مروان بالشام حيث وثب ‏"‏ والباقي مثله، ويصحح ما وقع في رواية أبي شهاب بأن تزاد واو قبل قوله ‏"‏ وثب ابن الزبير ‏"‏ فإن ابن زياد لما أخرج من البصرة توجه إلى الشام فقام مع مروان، وقد ذكر الطبري بأسانيده ما ملخصه‏:‏ أن عبيد الله بن زياد كان أميرا بالبصرة ليزيد بن معاوية، وأنه لما بلغته وفاته خطب لأهل البصرة وذكر ما وقع من الاختلاف بالشام، فرضى أهل البصرة أن يستمر أميرا عليهم حتى يجتمع الناس على خليفة فمكث على ذلك قليلا، ثم قام سلمة بن ذؤيب بن عبد الله اليربوعي يدعو إلى ابن الزبير فبايعه جماعة، فبلغ ذلك ابن زياد وأراد منهم كف سلمة عن ذلك فلم يجيبوه، فلما خشي على نفسه القتل استجار بالحارث ابن قيس بن سفيان فأردفه ليلا إلى أن أتى به مسعود بن عمرو بن عدي الأزدي فأجاره، ثم وقع بين أهل البصرة اختلاف فأمروا عليهم عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب الملقب ببه بموحدتين الثانية ثقيلة وأمه هند بنت أبي سفيان، ووقعت الحرب وقام مسعود بأمر عبيد الله بن زياد فقتل مسعود وهو على المنبر في شوال سنة أربع وستين، فبلغ ذلك عبيد الله بن زياد فهرب، فتبعوه وانتبهوا ما وجدوا له، وكان مسعود رتب معه مائة نفس يحرسونه فقدموا به الشام قبل أن يبرموا أمرهم فوجدوا مروان قد هم أن يرحل إلى ابن الزبير ليبايعه ويستأمن لبني أمية، فثنى رأيه عن ذلك، وجمع من كان يهوى بني أمية وتوجهوا إلى دمشق وقد بايع الضحاك بن قيس بها لابن الزبير، وكذا النعمان بن بشير بحمص، وكذا ناتل بنون ومثناة ابن قيس بفلسطين، ولم يبق على رأي الأمويين إلا حسان بن بحدل بموحدة ومهملة وزن جعفر وهو خال يزيد ابن معاوية وهو بالأردن فيمن أطاعه، فكانت الوقعة بين مروان ومن معه وبين الضحاك بن قيس بمرج راهط، فقتل الضحاك وتفرق جمعه وبايعوا حينئذ مروان بالخلافة في ذي القعدة منها‏.‏

وقال أبو زرعة الدمشقي في تاريخه‏:‏ حدثنا أبو مسهر عبد الأعلى قال‏:‏ بويع لمروان بن الحكم، بايع له أهل الأردن وطائفة من أهل دمشق، وسائر الناس زبيريون، ثم اقتتل مروان وشعبة بن الزبير بمرج راهط فغلب مروان وصارت له الشام ومصر، وكانت مدته تسعة أشهر فهلك بدمشق وعهد لعبد الملك‏.‏

وقال خليفة بن خياط في تاريخه‏:‏ حدثنا الوليد بن هشام عن أبيه عن جده وأبو اليقظان وغيرهما قالوا‏:‏ قدم ابن الزياد الشام وقد بايعوا ابن الزبير ما خلا هل الجابية، ثم ساروا إلى مرج راهط فذكر نحوه، وهذا يدفع ما تقدم عن ابن بطال أن ابن الزبير بايع مروان ثم نكث‏.‏

قوله ‏(‏ووثب القراء بالبصرة‏)‏ يريد الخوارج، وكانوا قد ثاروا بالبصرة بعد خروج ابن زياد ورئيسهم نافع بن الأزرق، ثم خرجوا إلى الأهواز، وقد استوفى خبرهم الطبري وغيره، ويقال إنه أراد الذين بايعوا على قتال من قتل الحسين وساروا مع سليمان بن صرد وغيره من البصرة إلى جهة الشام فلقيهم عبيد الله بن زياد في جيش الشام من قبل مروان فقتلوا بعين الوردة، وقد قص قصتهم الطبري وغيره‏.‏

قوله ‏(‏فانطلقت مع أبي إلى أبي برزة الأسلمي‏)‏ في رواية يزيد بن زريع ‏"‏ فقال لي أبي وكان يثنى عليه خيرا انطلق بنا إلى هذا الرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي برزة الأسلمي، فانطلقت معه حتى دخلنا عليه ‏"‏ وفي رواية عبد الله بن المبارك عن عوف ‏"‏ فقال أبي انطلق بنا لا أبالك إلى هذا الرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي برزة ‏"‏ وعند يعقوب بن سفيان عن سكين بن عبد العزيز عن أبيه عن أبي المنهال قال ‏"‏ دخلت مع أبي على أبي برزة الأسلمي، وإن في أذني يومئذ لقرطين وإني لغلام‏.‏

قوله ‏(‏في ظل علية له من قصب‏)‏ زاد في رواية يزيد بن زريع ‏"‏ في يوم حار شديد الحر ‏"‏ والعلية بضم المهملة وبكسرها وكسر اللام وتشديد التحتانية هي الغرفة وجمعها علالي، والأصل عليوة فأبدلت الواو ياء وأدغمت‏.‏

وفي رواية ابن المبارك ‏"‏ في ظل علولة‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏يستطعمه الحديث‏)‏ في رواية الكشميهني ‏"‏ بالحديث ‏"‏ أي يستفتح الحديث ويطلب منه التحديث‏.‏

قوله ‏(‏إني احتسبت عند الله‏)‏ في رواية الكشميهني ‏"‏ أحتسب ‏"‏ وكذا في رواية يزيد بن زريع ومعناه أنه يطلب بسخطه على الطوائف المذكورين من الله الأجر على ذلك لأن الحب في الله والبغض في الله من الإيمان‏.‏

قوله ‏(‏ساخطا‏)‏ في رواية سكين ‏"‏ لائما‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏إنكم يا معشر العرب‏)‏ في رواية ابن المبارك ‏"‏ العريب‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏كنتم على الحال الذي علمتم‏)‏ في رواية يزيد بن زريع ‏"‏ على الحال التي كنتم عليها في جاهليتكم ‏"‏ قوله ‏(‏وإن الله قد أنقذكم بالإسلام وبمحمد عليه الصلاة والسلام‏)‏ في رواية يزيد بن زريع ‏"‏ وإن الله نعشكم ‏"‏ بفتح النون والمهملة ثم معجمة، وسيأتي في أوائل الاعتصام من رواية معتمر بن سليمان عن عوف أن أبا المنهال حدثه أنه سمع أبا برزة قال ‏"‏ إن الله يغنيكم ‏"‏ قال أبو عبد الله هو البخاري‏:‏ وقع هنا ‏"‏ يغنيكم ‏"‏ يعني بضم أوله وسكون المعجمة بعدها نون مكسورة ثم تحتانية ساكنة قال وإنما هو ‏"‏ نعشكم ‏"‏ ينظر في أصل الاعتصام، كذا وقع عند المستملي، ووقع عند ابن السكن ‏"‏ نعشكم ‏"‏ على الصواب، ومعنى نعشكم رفعكم وزنه ومعناه، وقيل عضدكم وقواكم‏.‏

قوله ‏(‏إن ذاك الذي بالشام‏)‏ زاد يزيد بن زريع ‏"‏ يعني مروان ‏"‏ وفي رواية سكين ‏"‏ عبد الملك ابن مروان ‏"‏ والأول أولى‏.‏

قوله ‏(‏وإن هؤلاء الذين بين أظهركم‏)‏ في رواية يزيد بن زريع وابن المبارك نحوه ‏"‏ إن الذين حولكم الذين تزعمون أنهم قراؤكم ‏"‏ وفي رواية سكين وذكر نافع بن الأزرق وزاد في آخره ‏"‏ فقال أبي‏:‏ فما تأمرني إذا‏؟‏ فإني لا أراك تركت أحدا، قال لا أرى خير الناس اليوم إلا عصابة خماص البطون من أموال الناس خفاف الظهور من دمائهم ‏"‏ وفي رواية سكين ‏"‏ إن أحب الناس إلى لهذه العصابة الخمصة بطونهم من أموال الناس الخفيفة ظهورهم من دمائهم ‏"‏ وهذا يدل على أن أبا برزة كان يرى الانعزال في الفتنة وترك الدخول في كل شيء من قتال المسلمين ولا سيما إذا كان ذلك في طلب الملك‏.‏

وفيه استشارة أهل العلم والدين عند نزول الفتن وبذل العالم النصيحة لمن يستشيره، وفيه الاكتفاء في إنكار المنكر بالقول ولو في غيبة من ينكر عليه ليتعظ من يسمعه فيحذر من الوقوع فيه‏.‏

قوله ‏(‏وإن ذاك الذي بمكة‏)‏ زاد يزيد بن زريع ‏"‏ يعني ابن الزبير‏"‏‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ وَاصِلٍ الْأَحْدَبِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ الْيَوْمَ شَرٌّ مِنْهُمْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يَوْمَئِذٍ يُسِرُّونَ وَالْيَوْمَ يَجْهَرُونَ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏عن واصل الأحدب‏)‏ هو ابن حيان بمهملة ثم تحتانية ثقيلة أسدي كوفي يقال له بياع السابري بمهملة وموحدة من طبقة الأعمش ولكنه قديم الموت‏.‏

قوله ‏(‏إن المنافقين اليوم شر منهم‏)‏ في رواية إبراهيم بن الحسين عن آدم شيخ البخاري فيه ‏"‏ إن المنافقين اليوم شر منهم ‏"‏ أخرجه أبو نعيم‏.‏

قوله ‏(‏على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏)‏ قال الكرماني‏:‏ هو متعلق بمقدر نحو الناس، إذ لا يجوز أن يقال إنه متعلق بالضمير القائم مقام المنافقين لأن الضمير لا يعمل‏.‏

قال ابن بطال‏:‏ إنما كانوا شرا ممن قبلهم لأن الماضين كانوا يسرون قولهم فلا يتعدى شرهم إلى غيرهم، وأما الآخرون فصاروا يجهرون بالخروج على الأئمة ويوقعون الشر بين الفرق فيتعدى ضررهم لغيرهم‏.‏

قال‏:‏ ومطابقته للترجمة من جهة أن جهرهم بالنفاق وشهر السلاح على الناس هو القول بخلاف ما بذلوه من الطاعة حين بايعوا أولا من خرجوا عليه آخرا انتهى‏.‏

وقال ابن التين‏:‏ أراد أنهم أظهروا من الشر ما لم يظهر أولئك، غير أنهم لم يصرحوا بالكفر، وإنما هو النفث يلقونه بأفواههم فكانوا يعرفون به‏.‏

كذا قال، ويشهد لما قال ابن بطال ما أخرجه البزار من طريق عاصم عن أبي وائل ‏"‏ قلت لحذيفة‏:‏ النفاق اليوم شر أم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ قال‏:‏ فضرب بيده على جبهته وقال‏:‏ أوه، هو اليوم ظاهر، إنهم كانوا يستخفون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا خَلَّادٌ حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ إِنَّمَا كَانَ النِّفَاقُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَّا الْيَوْمَ فَإِنَّمَا هُوَ الْكُفْرُ بَعْدَ الْإِيمَانِ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏عن أبي الشعثاء‏)‏ هو بفتح المعجمة وسكون المهملة بعدها مثلثة واسمه سليم ابن أسود المحاربي‏.‏

قوله ‏(‏عن حذيفة‏)‏ لم أر لأبي الشعثاء عن حذيفة في الكتب الستة إلا هذا الحديث، ولم أره إلا معنعنا، وكأنه تسمح فيه لأنه بمعنى حديث زيد بن وهب عن حذيفة وهو المذكور قبله، أو ثبت عنده لقيه حذيفة في غير هذا‏.‏

قوله ‏(‏إنما كان النفاق‏)‏ أي موجودا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

وفي رواية يحيى بن آدم عن مسعر عند الإسماعيلي ‏"‏ كان المنافقون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الإيمان‏)‏ كذا للأكثر‏.‏

وفي رواية ‏"‏ فإنما هو الكفر أو الإيمان ‏"‏ وكذا حكى الحميدي في جمعه أنهما روايتان، وأخرجه الإسماعيلي من طرق عن مسعر ‏"‏ فإنما هو اليوم الكفر بعد الإيمان ‏"‏ قال وزاد محمد بن بشر في روايته عن مسعر ‏"‏ فضحك عبد الله قال حبيب فقلت لأبي الشعثاء‏:‏ مم ضحك عبد الله‏؟‏ قال‏:‏ لا أدري‏"‏‏.‏

قلت‏:‏ لعله عرف مراده فتبسم تعجبا من حفظه أو فهمه، قال ابن التين‏:‏ كان المنافقون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنوا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم، وأما من جاء بعدهم فإنه ولد في الإسلام وعلى فطرته فمن كفر منهم فهو مرتد، ولذلك اختلفت أحكام المنافقين والمرتدين انتهى‏.‏

والذي يظهر أن حذيفة لم يرد نفي الوقوع وإنما أراد نفي اتفاق الحكم، لأن النفاق إظهار الإيمان وإخفاء الكفر، ووجود ذلك ممكن في كل عصر، وإنما اختلف الحكم لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتألفهم ويقبل ما أظهروه من الإسلام ولو ظهر منهم احتمال خلافه، وأما بعده فمن أظهر شيئا فإنه يؤاخذ به ولا يترك لمصلحة التألف لعدم الاحتياج إلى ذلك، وقيل غرضه أن الخروج عن طاعة الإمام جاهلية ولا جاهلية في الإسلام، أو تفريق للجماعة فهو بخلاف قول الله تعالى ‏(‏ولا تفرقوا‏)‏ ، وكل ذلك غير مستور فهو كالكفر بعد الإيمان‏.‏

======

باب لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُغْبَطَ أَهْلُ الْقُبُورِ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏باب لا تقوم الساعة حتى يغبط أهل القبور‏)‏ بضم أوله وفتح ثالثه على البناء للمجهول بغين معجمة ثم موحدة ثم مهملة، قال ابن التين‏:‏ غبطه بالفتح يغبطه بالكسر غبطا وغبطة بالسكون، والغبطة تمني مثل حال المغبوط مع بقاء حاله‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏حدثنا إسماعيل‏)‏ هو ابن أويس‏.‏

قوله ‏(‏عن أبي الزناد‏)‏ وافق مالكا شعيب بن أبي حمزة عنه كما سيأتي بعد بابين في أثناء حديث‏.‏

قوله ‏(‏حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه‏)‏ أي كنت ميتا‏.‏

قال ابن بطال‏:‏ تغبط أهل القبور وتمني الموت عند ظهور الفتن إنما هو خوف ذهاب الدين بغلبة الباطل وأهله وظهور المعاصي والمنكر انتهى‏.‏

وليس هذا عاما في حق كل أحد وإنما هو خاص بأهل الخير، وأما غيرهم فقد يكون لما يقع لأحدهم من المصيبة في نفسه أو أهله أو دنياه وإن لم يكن في ذلك شيء يتعلق بدينه، ويؤيده ما أخرجه في رواية أبي حازم عن أبي هريرة عند مسلم ‏"‏ لا تذهب الدنيا حتى يمر الرجل على القبر فيتمرغ عليه ويقول‏:‏ يا ليتني مكان صاحب هذا القبر، وليس به الدين إلا البلاء ‏"‏ وذكر الرجل فيه للغالب وإلا فالمرأة يتصور فيها ذلك، والسبب في ذلك ما ذكر في رواية أبي حازم أنه ‏"‏ يقع البلاء والشدة حتى يكون الموت الذي هو أعظم المصائب أهون على المرء فيتمنى أهون المصيبتين في اعتقاده ‏"‏ وبهذا جزم القرطبي، وذكره عياض احتمالا، وأغرب بعض شراح ‏"‏ المصابيح ‏"‏ فقال‏:‏ المراد بالدين هنا العبادة، والمعنى أنه يتمرغ على القبر ويتمنى الموت في حالة ليس المتمرغ فيها من عادته وإنما الحامل عليه البلاء، وتعقبه الطيبي بأن حمل الدين على حقيقته أولى، أي ليس التمني والتمرغ لأمر أصابه من جهة الدين بل من جهة الدنيا‏.‏

وقال ابن عبد البر‏.‏

ظن بعضهم أن هذا الحديث معارض للنهي عن تمني الموت، وليس كذلك، وإنما في هذا أن هذا القدر سيكون لشدة تنزل بالناس من فساد الحال في الدين أو ضعفه أو خوف ذهابه لا لضرر ينزل في الجسم، كذا قال، وكأنه يريد أن النهي عن تمني الموت هو حيث يتعلق بضرر الجسم، وأما إذا كان لضرر يتعلق بالدين فلا‏.‏

وقد ذكره عياض احتمالا أيضا وقال غيره‏:‏ ليس بين هذا الخبر وحديث النهي عن تمني الموت معارضة، لأن النهي صريح وهذا إنما فيه إخبار عن شدة ستحصل ينشأ عنها هذا التمني، وليس فيه تعرض لحكمه، وإنما سيق للإخبار عما سيقع‏.‏

قلت‏:‏ ويمكن أخذ الحكم من الإشارة في قوله ‏"‏ وليس به الدين إنما هو البلاء ‏"‏ فإنه سيق مساق الذم والإنكار، وفيه إيماء إلى أنه لو فعل ذلك بسبب الدين لكان محمودا، ويؤيده ثبوت تمني الموت عند فساد أمر الدين عن جماعة من السلف‏.‏

قال النووي لا كراهة في ذلك بل فعله خلائق من السلف منهم عمر بن الخطاب وعيسى الغفاري وعمر بن عبد العزيز وغيرهم‏.‏

ثم قال القرطبي‏:‏ كأن في الحديث إشارة إلى أن الفتن والمشقة البالغة ستقع حتى يخف أمر الدين ويقل الاعتناء بأمره ولا يبقى لأحد اعتناء إلا بأمر دنياه ومعاشه نفسه وما يتعلق به، ومن ثم عظم قدر العبادة أيام الفتنة كما أخرج مسلم من حديث معقل بن يسار رفعه ‏"‏ العبادة في الهرج كهجرة إلى ‏"‏ ويؤخذ من قوله ‏"‏ حتى يمر الرجل بقبر الرجل ‏"‏ أن التمني المذكور إنما يحصل عند رؤية القبر، وليس ذلك مرادا بل فيه إشارة إلى قوة هذا التمني لأن الذي يتمنى الموت بسبب الشدة التي تحصل عنده قد يذهب ذلك التمني أو يخف عند مشاهدة القبر والمقبور فيتذكر هول المقام فيضعف تمنيه، فإذا تمادى على ذلك دل على تأكد أمر تلك الشدة عنده حيث لم يصرفه ما شاهده من وحشة القبر وتذكر ما فيه من الأهوال عن استمراره على تمني الموت‏.‏

وقد أخرج الحاكم من طريق أبي سلمة قال ‏"‏ عدت أبا هريرة فقلت‏:‏ اللهم اشف أبا هريرة، فقال‏:‏ اللهم لا ترجعها، إن استطعت يا أبا سلمة فمت، والذي نفسي بيده ليأتين على العلماء زمان الموت أحب إلى أحدهم من الذهب الأحمر‏.‏

وليأتين أحدهم قبر أخيه فيقول‏:‏ ليتني مكانه ‏"‏ وفي كتاب الفتن من رواية عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال ‏"‏ يوشك أن تمر الجنازة في السوق على الجماعة فيراها الرجل فيهز رأسه فيقول‏:‏ يا ليتني مكان هذا، قلت‏:‏ يا أبا ذر إن ذلك لمن أمر عظيم، قال‏:‏ أجل‏"‏

*3*http://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifباب تَغْيِيرِ الزَّمَانِ حَتَّى تُعْبَدَ الْأَوْثَانُ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏باب تغير الزمان حتى تعبد الأوثان‏)‏ ذكر فيه حديثين‏:‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ نِسَاءِ دَوْسٍ عَلَى ذِي الْخَلَصَةِ وَذُو الْخَلَصَةِ طَاغِيَةُ دَوْسٍ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏عن الزهري‏)‏ في إحدى روايتي الإسماعيلي ‏"‏ حدثني الزهري‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏حتى تضطرب‏)‏ أي يضرب بعضها بعضا‏.‏

قوله ‏(‏أليات‏)‏ بفتح الهمزة واللام جمع ألية بالفتح أيضا مثل جفنة وجفنات، والألية العجيزة وجمعها أعجاز‏.‏

قوله ‏(‏على ذي الخلصة‏)‏ في رواية معمر عن الزهري عند مسلم ‏"‏ حول ذي الخلصة‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏وذو الخلصة طاغية دوس‏)‏ أي صنمهم، وقوله ‏"‏التي كانوا يعبدون ‏"‏ كذا فيه بحذف المفعول‏.‏

ووقع في رواية معمر ‏"‏ وكان صنما تعبدها دوس‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏في الجاهلية‏)‏ زاد معمر ‏"‏ بتبالة ‏"‏ وتبالة بفتح المثناة وتخفيف الموحدة وبعد الألف لام ثم هاء تأنيث قرية بين الطائف واليمن بينهما ستة أيام، وهي التي يضرب بها المثل فيقال ‏"‏ أهون من تبالة على الحجاج ‏"‏ وذلك أنها أول شيء وليه، فلما قرب منها سأل من معه عنها فقال‏:‏ هي وراء تلك الأكمة‏.‏

فرجع فقال‏:‏ لا خير في بلد يسترها أكمة، وكلام صاحب ‏"‏ المطالع ‏"‏ يقتضي أنهما موضعان‏:‏ وأن المراد في الحديث غير تبالة الحجاج، وكلام ياقوت يقتضي أنها هي ولذلك لم يذكرها في ‏"‏ المشترك ‏"‏ وعند ابن حبان من هذا الوجه‏:‏ قال معمر إن عليه الآن بيتا مبنيا مغلقا، وقد تقدم ضبط ذي الخلصة في أواخر المغازي وبيان الاختلاف في أنه واحد أو اثنان‏.‏

قال ابن التين‏:‏ فيه الإخبار بأن نساء دوس يركبن الدواب من البلدان إلى الصنم المذكور، فهو المراد باضطراب ألياتهن‏.‏

قلت‏:‏ ويحتمل أن يكون المراد أنهن يتزاحمن بحيث تضرب عجيزة بعضهن الأخرى عند الطواف حول الصنم المذكور‏.‏

وفي معنى هذا الحديث ما أخرجه الحاكم عن عبد الله بن عمر قال ‏"‏ لا تقوم الساعة حتى تدافع مناكب نساء بني عامر على ذي الخلصة ‏"‏ وابن عدي من رواية أبي معشر عن سعيد عن أبي هريرة رفعه ‏"‏ لا تقوم الساعة حتى تعبد اللات والعزى ‏"‏ قال ابن بطال‏:‏ هذا الحديث وما أشبهه ليس المراد به أن الدين ينقطع كله في جميع أقطار الأرض حتى لا يبقى منه شيء، لأنه ثبت أن الإسلام يبقى إلى قيام الساعة، إلا أنه يضعف ويعود غريبا كما بدأ‏.‏

ثم ذكر حديث ‏"‏ لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ‏"‏ الحديث قال‏:‏ فتبين في هذا الحديث تخصيص الأخبار الأخرى، وأن الطائفة التي تبقى على الحق تكون ببيت المقدس إلى أن تقوم الساعة‏.‏

قال فبهذا تأتلف الأخبار‏.‏

قلت‏:‏ ليس فيما احتج به تصريح إلى بقاء أولئك إلى قيام الساعة، وإنما فيه ‏"‏ حتى يأتي أمر الله ‏"‏ فيحتمل أن يكون المراد بأمر الله ما ذكر من قبض من بقي من المؤمنين، وظواهر الأخبار تقتضي أن الموصوفين بكونهم ببيت المقدس أن آخرهم من كان مع عيسى عليه السلام، ثم إذا بعث الله الريح الطيبة فقبضت روح كل مؤمن لم يبق إلا شرار الناس‏.‏

وقد أخرج مسلم من حديث ابن مسعود رفعه ‏"‏ لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس ‏"‏ وذلك إنما يقع بعد طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة وسائر الآيات العظام، وقد ثبت أن الآيات العظام مثل السلك إذا انقطع تناثر الخرز بسرعة، وهو عند أحمد وفي مرسل أبي العالية ‏"‏ الآيات كلها في ستة أشهر ‏"‏ وعن أبي هريرة في ‏"‏ ثمانية أشهر ‏"‏ وقد أورد مسلم عقب حديث أبي هريرة من حديث عائشة ما يشير إلى بيان الزمان الذي يقع فيه ذلك ولفظه ‏"‏ لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى ‏"‏ وفيه ‏"‏ يبعث الله ريحا طيبة فتوفى كل من في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فيبقى من لا خير فيه فيرجعون إلى دين آبائهم ‏"‏ وعنده في حديث عبد الله بن عمرو رفعه ‏"‏ يخرج الدجال في أمتي ‏"‏ الحديث وفيه ‏"‏ فيبعث الله عيسى بن مريم فيطلبه فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين، ثم يرسل الله ريحا باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال حبة من خير أو إيمان إلا قبضته ‏"‏ وفيه ‏"‏ فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا، فيتمثل لهم الشيطان فيأمرهم بعبادة الأوثان، ثم ينفخ في الصور ‏"‏ فظهر بذلك أن المراد بأمر الله في حديث ‏"‏ لا تزال طائفة ‏"‏ وقوع الآيات العظام التي يعقبها قيام الساعة ولا يتخلف عنها إلا شيئا يسيرا، ويؤيده حديث عمران بن حصين رفعه ‏"‏ لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم الدجال ‏"‏ أخرجه أبو داود والحاكم، ويؤخذ منه صحة ما تأولته، فإن الذين يقاتلون الدجال يكونون بعد قتله مع عيسى، ثم يرسل عليهم الريح الطيبة فلا يبقى بعدهم إلا الشرار كما تقدم‏.‏

ووجدت في هذا مناظرة لعقبة بن عامر ومحمد بن مسلمة، فأخرج الحاكم من رواية عبد الرحمن بن شماسة أن عبد الله بن عمرو قال ‏"‏ لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق هم شر من أهل الجاهلية، فقال عقبة بن عامر‏:‏ عبد الله أعلم ما يقول، وأما أنا فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك ‏"‏ فقال عبد الله ‏"‏ أجل، ويبعث الله ريحا ريحها ريح المسك ومسها مس الحرير فلا تترك أحدا في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس فعليهم تقوم الساعة ‏"‏ فعلى هذا فالمراد بقوله في حديث عقبة ‏"‏ حتى تأتيهم الساعة ‏"‏ ساعتهم هم وهي وقت موتهم بهبوب الريح والله أعلم‏.‏

وقد تقدم بيان شيء من هذا في أواخر الرقاق عند الكلام على حديث طلوع الشمس من المغرب‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ عَنْ ثَوْرٍ عَنْ أَبِي الْغَيْثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ قَحْطَانَ يَسُوقُ النَّاسَ بِعَصَاهُ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏حدثنا عبد العزيز بن عبد الله‏)‏ هو الأويسي، وسليمان هو ابن بلال، وثور هو ابن زيد، وأبو الغيث هو سالم، والسند كله مدنيون‏.‏

قوله ‏(‏حتى يخرج رجل من قحطان‏)‏ تقدم شرحه في أوائل مناقب قريش، قال القرطبي في التذكرة‏:‏ قوله ‏"‏ يسوق الناس بعصاه ‏"‏ كناية عن غلبته عليهم وانقيادهم له، ولم يرد نفس العصا، لكن في ذكرها إشارة إلى خشونته عليهم وعسفه بهم، قال‏:‏ وقد قيل إنه يسوقهم بعصاه حقيقة كما تساق الإبل والماشية لشدة عنفه وعدوانه، قال‏:‏ ولعله جهجاه المذكور في الحديث الآخر واصل الجهجاه الصياح وهي صفة تناسب ذكر العصا‏.‏

قلت‏:‏ ويرد هذا الاحتمال إطلاق كونه من قحطان فظاهره أنه من الأحرار، وتقييده في جهجاه بأنه من الموالي ما تقدم أنه يكون بعد المهدي وعلى سيرته وأنه ليس دونه‏.‏

ثم وجدت في كتاب ‏"‏ التيجان لابن هشام ‏"‏ ما يعرف منه - إن ثبت - اسم القحطاني وسيرته وزمانه، فذكر أن عمران بن عامر كان ملكا متوجا وكان كاهنا معمرا وأنه قال لأخيه عمرو بن عامر المعروف بمزيقيا لما حضرته الوفاة‏:‏ إن بلادكم ستخرب، وإن لله في أهل اليمن سخطتين ورحمتين‏:‏ فالسخطة الأولى هدم سد مأرب وتخرب البلاد بسببه، والثانية غلبة الحبشة على أرض اليمن‏.‏

والرحمة الأولى بعثة نبي من تهامة اسمه محمد يرسل بالرحمة ويغلب أهل الشرك، والثانية إذا خرب بيت الله يبعث الله رجلا يقال له شعيب بن صالح فيهلك من خربه ويخرجهم حتى لا يكون بالدنيا إيمان إلا بأرض اليمن انتهى‏.‏

وقد تقدم في الحج أن البيت يحج بعد خروج يأجوج ومأجوج، وتقدم الجمع بينه وبين حديث ‏"‏ لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت وأن الكعبة يخربها ذو السويقتين من الحبشة ‏"‏ فينتظم من ذلك أن الحبشة إذا خربت البيت خرج عليهم القحطاني فأهلكهم، وأن المؤمنين قبل ذلك يحجون في زمن عيسى بعد خروج يأجوج ومأجوج وهلاكهم، وأن الريح التي تقبض أرواح المؤمنين تبدأ بمن بقي بعد عيسى ويتأخر أهل اليمن بعدها، ويمكن أن يكون هذا مما يفسر به قوله ‏"‏ الإيمان يمان ‏"‏ أي يتأخر الإيمان بها بعد فقده من جميع الأرض‏.‏

وقد أخرج مسلم حديث القحطاني عقب حديث تخريب الكعبة ذو السويقتين فلعله رمز إلى هذا، وسيأتي في أواخر الأحكام في الكلام على حديث جابر بن سمرة في الخلفاء الاثني عشر شيء يتعلق بالقحطاني‏.‏

وقال الإسماعيلي هنا‏:‏ ليس هذا الحديث من ترجمة الباب في شيء‏.‏

وذكر ابن بطال أن المهلب أجاب بأن وجهه أن القحطاني إذا قام وليس من بيت النبوة ولا من قريش الذين جعل الله فيهم الخلافة فهو من أكبر تغير الزمان وتبديل الأحكام بأن يطاع في الدين من ليس أهلا لذلك انتهى‏.‏

وحاصله أنه مطابق لصدر الترجمة وهو تغير الزمان، وتغيره أعم من أن يكون فيما يرجع إلى الفسق أو الكفر، وغايته أن ينتهي إلى الكفر، فقصة القحطاني مطابقة للتغير بالفسق مثلا، وقصة ذي الخلصة للتغير بالكفر، واستدل بقصه القحطاني عن أن الخلافة يجوز أن تكون في غير قريش، وأجاب ابن العربي بأنه إنذار بما يكون من الشر في آخر الزمان من تسور العامة على منازل الاستقامة، فليس فيه حجة لأنه لا يدل على المدعي، ولا يعارض ما ثبت من أن الأئمة من قريش انتهى‏.‏

وسيأتي بسط القول في ذلك في ‏"‏ باب الأمراء من قريش ‏"‏ أول كتاب الأحكام إن شاء الله تعالى‏.‏

*3*http://www.al-eman.com/images/book/arrow_top.gifباب خُرُوجِ النَّارِ

وَقَالَ أَنَسٌ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ نَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنْ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏باب خروج النار‏)‏ أي من أرض الحجاز، ذكر فيه ثلاثة أحاديث‏:‏ الأول‏.‏

قوله ‏(‏وقال أنس قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أول أشراط الساعة نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب‏)‏ وتقدم في أواخر ‏"‏ باب الهجرة ‏"‏ في قصة إسلام عبد الله بن سلام موصولا من طريق حميد عن أنس ولفظه ‏"‏ وأما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب ‏"‏ ووصله في أحاديث الأنبياء من وجه آخر عن حميد بلفظ ‏"‏ نار تحشر الناس ‏"‏ والمراد بالأشراط العلامات التي يعقبها قيام الساعة، وتقدم في ‏"‏ باب الحشر ‏"‏ من كتاب الرقاق صفة حشر النار لهم‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ تُضِيءُ أَعْنَاقَ الْإِبِلِ بِبُصْرَى

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏عن الزهري قال سعيد بن المسيب‏)‏ في رواية أبي نعيم في المستخرج ‏"‏ عن سعيد بن المسيب‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏حتى تخرج نار من أرض الحجاز‏)‏ قال القرطبي في ‏"‏ التذكرة ‏"‏‏:‏ قد خرجت نار بالحجاز بالمدينة، وكان بدؤها زلزلة عظيمة في ليلة الأربعاء بعد العتمة الثالث من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة واستمرت إلى ضحى النهار يوم الجمعة فسكنت، وظهرت النار بقريظة بطرف الحرة ترى في صورة البلد العظيم عليها سور محيط عليه شراريف وأبراج ومآذن، وترى رجال يقودونها، لا تمر على جبل إلا دكته وأذابته، ويخرج من مجموع ذلك مثل النهر أحمر وأزرق له دوي كدوي الرعد يأخذ الصخور بين يديه وينتهي إلى محط الركب العراقي، واجتمع من ذلك ردم صار كالجبل العظيم، فانتهت النار إلى قرب المدينة، ومع ذلك فكان يأتي المدينة نسيم بارد، وشوهد لهذه النار غليان كغليان البحر‏.‏

وقال لي بعض أصحابنا‏:‏ رأيتها صاعدة في الهواء من نحو خمسة أيام، وسمعت أنها رئيت من مكة ومن جبال بصرى‏.‏

وقال النووي‏:‏ تواتر العلم بخروج هذه النار عند جميع أهل الشام‏.‏

وقال أبو شامة في ‏"‏ ذيل الروضتين ‏"‏‏:‏ وردت في أوائل شعبان سنة أربع وخمسين كتب من المدينة الشريفة فيها شرح أمر عظيم حدث بها فيه تصديق لما في الصحيحين، فذكر هذا الحديث، قال‏:‏ فأخبرني بعض من أثق به ممن شاهدها أنه بلغه أنه كتب بتيماء على ضوئها الكتب، فمن الكتب‏.‏

فذكر نحو ما تقدم، ومن ذلك أن في بعض الكتب‏:‏ ظهر في أول جمعة من جمادى الآخرة في شرقي المدينة نار عظيمة بينها وبين المدينة نصف يوم انفجرت من الأرض وسال منها واد من نار حتى حاذى جبل أحد‏.‏

وفي كتاب آخر‏:‏ انبجست الأرض من الحرة بنار عظيمة يكون قدرها مثل مسجد المدينة وهي برأي العين من المدينة، وسال منها واد يكون مقداره أربع فراسخ وعرضه أربع أميال يجري على وجه الأرض ويخرج منه مهاد وجبال صغار‏.‏

وفي كتاب آخر‏:‏ ظهر ضوؤها إلى أن رأوها من مكة، قال ولا أقدر أصف عظمها، ولها دوى‏.‏

قال أبو شامة‏:‏ ونظم الناس في هذا أشعارا، ودام أمرها أشهرا، ثم خمدت‏.‏

والذي ظهر لي أن النار المذكورة في حديث الباب هي التي ظهرت بنواحي المدينة كما فهمه القرطبي وغيره، وأما النار التي تحشر الناس فنار أخرى‏.‏

وقد وقع في بعض بلاد الحجاز في الجاهلية نحو هذه النار التي ظهرت بنواحي المدينة في زمن خالد بن سنان العبسي، فقام في أمرها حتى أخمدها ومات بعد ذلك في قصة له ذكرها أبو عبيدة معمر بن المثنى في ‏"‏ كتاب الجماجم ‏"‏ وأوردها الحاكم في ‏"‏ المستدرك ‏"‏ من طريق يعلى ابن مهدي عن أبي عوانة عن أبي يونس عن عكرمة عن ابن عباس‏:‏ أن رجلا من بني عبس يقال له خالد ابن سنان قال لقومه إني أطفي عنكم نار الحدثان فذكر القصة وفيها فانطلق وهي تخرج من شق جبل من حرة يقال لها حرة أشجع فذكر القصة في دخوله الشق والنار كأنها جبل سقر ‏"‏ فضربها بعصاه حتى أدخلها وخرج ‏"‏ وقد أوردت لهذه القصة طرفا من ترجمته في كتابي في الصحابة‏.‏

قوله ‏(‏تضيء أعناق الإبل ببصرى‏)‏ قال ابن التين‏:‏ يعني من آخرها يبلغ ضوؤها إلى الإبل التي تكون ببصرى وهي من أرض الشام ‏"‏ وأضاء يجيء لازما ومتعديا، يقال أضاءت النار وأضاءت النار غيرها ‏"‏ وبصرى بضم الموحدة وسكون المهملة مقصور بلد بالشام وهي حوران‏.‏

وقال أبو البقاء‏:‏ أعناق بالنصب على أن تضيء متعد والفاعل النار أي تجعل على أعناق الإبل ضوءا، قال‏:‏ ولو روى بالرفع لكان متجها أي تضيء أعناق الإبل به كما جاء في حديث آخر ‏"‏ أضاءت له قصور الشام ‏"‏ وقد وردت في هذا الحديث زيادة من وجه آخر أخرجه ابن عدي في الكامل من طريق عمر بن سعيد التنوخي عن ابن شهاب عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن عمر بن الخطاب يرفعه ‏"‏ لا تقوم الساعة حتى يسيل واد من أودية الحجاز بالنار تضيء له أعناق الإبل ببصرى ‏"‏ وعمر ذكره ابن حبان في الثقات ولينه ابن عدي والدار قطني، وهذا ينطبق على النار المذكورة التي ظهرت في المائة السابعة‏.‏

وأخرج أيضا الطبراني في آخر حديث حذيفة بن أسيد الذي مضى التنبيه عليه ‏"‏ وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من رومان أو ركوبة تضيء منها أعناق الإبل ببصرى‏"‏‏.‏

قلت‏:‏ وركوبة ثنية صعبة المرتقى في طريق المدينة إلى الشام مر بها النبي في غزوة تبوك ذكره البكري، ورومان لم يذكره البكري ولعل المراد رومة البئر المعروفة بالمدينة، فجمع في هذا الحديث بين النارين وأن إحداهما تقع قبل قيام الساعة مع جملة الأمور التي أخبر بها الصادق صلى الله عليه وسلم؛ والأخرى هي التي يعقبها قيام الساعة بغير تخلل شيء آخر، وتقدم الثانية على الأولى في الذكر لا يضر والله أعلم‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الْكِنْدِيُّ حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَدِّهِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوشِكُ الْفُرَاتُ أَنْ يَحْسِرَ عَنْ كَنْزٍ مِنْ ذَهَبٍ فَمَنْ حَضَرَهُ فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا قَالَ عُقْبَةُ وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ يَحْسِرُ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏حدثنا عبد الله بن سعيد الكندي‏)‏ هو أبو سعيد الأشج مشهور بكنيته وصفته وهو من الطبقة الوسطى الثالثة من شيوخ البخاري وعاش بعد البخاري سنة واحدة، وعبيد الله هو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري‏.‏

قوله ‏(‏عن خبيب بن عبد الرحمن‏)‏ بمعجمة وموحدتين مصغر وهو ابن عبد الرحمن بن خبيب بن يساف الأنصاري‏.‏

قوله ‏(‏عن جده حفص بن عاصم‏)‏ أي ابن عمر بن الخطاب، والضمير لعبيد الله بن عمر لا لشيخه‏.‏

قوله ‏(‏يوشك‏)‏ بكسر المعجمة أي يقرب‏.‏

قوله ‏(‏أن يحسر‏)‏ بفتح أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه والحاء والسين مهملتان أي ينكشف‏.‏

قوله ‏(‏الفرات‏)‏ أي النهر المشهور وهو بالتاء المجرورة على المشهور ويقال يجوز أنه يكتب بالهاء كالتابوت والتابوه والعنكبوت والعنكبوه أفاده الكمال بن العديم في تاريخه نقلا عن إبراهيم بن أحمد بن الليث‏.‏

قوله ‏(‏فمن حضره فلا يأخذ منه شيئا‏)‏ هذا يشعر بأن الأخذ منه ممكن، وعلى هذا فيجوز أن يكون دنانير ويجوز أن يكون قطعا ويجوز أن يكون تبرا‏.‏

قوله ‏(‏قال عقبة‏)‏ هو ابن خالد، وهو موصول بالسند المذكور، وقد أخرجه هو والذي قبله الإسماعيلي عن الحسن بن سفيان وأبي القاسم البغوي والفضل بن عبد الله المخلدي ثلاثتهم عن أبي سعيد الأشج عن الشيخين‏.‏

قوله ‏(‏وحدثنا عبيد الله‏)‏ هو ابن عمر المذكور‏.‏

قوله ‏(‏قال حدثنا أبو الزناد‏)‏ يعني أن لعبيد الله في هذا الحديث إسنادين‏.‏

قوله ‏(‏يحسر جبل من ذهب‏)‏ يعني أن الروايتين اتفقتا إلا في قوله كنز فقال الأعرج جبل، وقد ساق أبو نعيم في المستخرج الحديثين بسند واحد من رواية بكر بن أحمد بن مقبل عن أبي سعيد الأشج وفرقهما ولفظهما واحد إلا لفظ كنز وجبل، وتسميته كنزا باعتبار حاله قبل أن ينكشف، وتسميته جبلا للإشارة إلى كثرته، ويؤيده ما أخرجه مسلم من وجه آخر عن أبي هريرة رفعه ‏"‏ تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة فيجيء القاتل فيقول‏:‏ في هذا قتلت، ويجيء السارق فيقول‏:‏ في هذا قطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئا ‏"‏ قال ابن التين‏:‏ إنما نهى عن الأخذ منه لأنه للمسلمين فلا يؤخذ إلا بحقه، قال‏:‏ ومن أخذه وكثر المال ندم لأخذه ما لا ينفعه، وإذا ظهر جبل من ذهب كسد الذهب ولم يرد‏.‏

قلت‏:‏ وليس الذي قاله ببين، والذي يظهر أن النهي عن أخذه لما ينشأ عن أخذه من الفتنة والقتال عليه وقوله ‏"‏ وإذا ظهر جبل من ذهب إلخ ‏"‏ في مقام المنع، وإنما يتم ما زعم من الكساد أن لو اقتسمه الناس بينهم بالسوية ووسعهم كلهم فاستغنوا أجمعين فحينئذ تبطل الرغبة فيه، وأما إذا حواه قوم دون قوم فحرص من لم يحصل له منه شيء باق على حاله، ويحتمل أن تكون الحكمة في النهي عن الأخذ منه لكونه يقع في آخر الزمان عند الحشر الواقع في الدنيا وعند عدم الظهور أو قلته فلا ينتفع بما أخذ منه ولعل هذا هو السر في إدخال البخاري له في ترجمة خروج النار‏.‏

ثم ظهر لي رجحان الاحتمال الأول لأن مسلما أخرج هذا الحديث أيضا من طريق أخرى عن أبي هريرة بلفظ ‏"‏ يحسر الفرات عن جبل من ذهب فيقتل عليه الناس، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون، ويقول كل رجل منهم‏:‏ لعلي أكون أنا الذي أنجو ‏"‏ وأخرج مسلما أيضا عن أبي بن كعب قال ‏"‏ لا يزال الناس مختلفة أعناقهم في طلب الدنيا ‏"‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ‏"‏ يوشك أن يحسر الفرات عن جبل من ذهب فإذا سمع به الناس ساروا إليه، فيقول من عنده لئن تركنا الناس يأخذون منه ليذهبن به كله، قال فيقتتلون عليه فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون ‏"‏ فبطل ما تخيله ابن التين، وتوجه التعقب عليه ووضح أن السبب في النهي عن الأخذ منه ما يترتب على طلب الأخذ منه من الاقتتال فضلا عن الأخذ ولا مانع أن يكون ذلك عند خروج النار للمحشر، لكن ليس ذلك السبب في النهي عن الأخذ منه‏.‏

وقد أخرج ابن ماجه عن ثوبان رفعه قال ‏"‏ يقتل عند كنزكم ثلاثة كلهم ابن خليفة ‏"‏ فذكر الحديث في المهدي فهذا إن كان المراد بالكنز فيه الكنز الذي في حديث الباب دل على أنه إنما يقع عند ظهور المهدي وذلك قبل نزول عيسى وقبل خروج النار جزما والله أعلم‏.‏

‏(‏تنبيه‏)‏ ‏:‏ وقع عند أحمد وابن ماجه من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مثل حديث الباب إلى قوله ‏"‏ من ذهب فيقتتل عليه الناس فيقتل من كل عشرة تسعة ‏"‏ وهي رواية شاذة، والمحفوظ ما تقدم من عند مسلم وشاهده من حديث أبي بن كعب ‏"‏ من كل مائة تسعة وتسعون ‏"‏ ويمكن الجمع باختلاف تقسيم الناس إلى قسمين‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ حَدَّثَنَا مَعْبَدٌ سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ تَصَدَّقُوا فَسَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا قَالَ مُسَدَّدٌ حَارِثَةُ أَخُو عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لِأُمِّهِ قَالَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏حدثنا مسدد حدثنا يحيى‏)‏ هو ابن سعيد القطان عن شعبة، ولمسدد فيه شيخ آخر أخرجه أبو نعيم في المستخرج من طريق يوسف بن يعقوب القاضي عن مسدد ‏"‏ حدثنا بشر بن المفضل حدثنا شعبة‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏حدثنا معبد‏)‏ يعني ابن خالد، تقدم في الزكاة عن آدم ‏"‏ حدثنا شعبة حدثنا معبد بن خالد‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏حارثة بن وهب‏)‏ أي الخزاعي‏.‏

قوله ‏(‏تصدقوا فسيأتي على الناس زمان‏)‏ تقدم الكلام على ألفاظه في أوائل الزكاة وقوله قال مسدد هو شيخه في هذا الحديث‏.‏

قوله ‏(‏يمشي الرجل بصدقته فلا يجد من يقبلها‏)‏ يحتمل أن يكون ذلك وقع كما ذكر في خلافة عمر بن عبد العزيز فلا يكون من أشراط الساعة، وهو نظير ما وقع في حديث عدي بن حاتم الذي تقدم في علامات النبوة وفيه ‏"‏ ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج بملء كفه ذهبا يلتمس من يقبله فلا يجد ‏"‏ وأخرج يعقوب ابن سفيان في تاريخه من طريق عمر بن أسيد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب بسند جيد قال ‏"‏ لا والله ما مات عمر بن عبد العزيز حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم فيقول‏:‏ اجعلوا هذا حيث ترون في الفقراء فما يبرح حتى يرجع بماله يتذكر من يضعه فيهم فلا يجد فيرجع به، قد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس‏"‏‏.‏

قلت‏:‏ وهذا بخلاف حديث أبي هريرة الذي بعده كما سيأتي البحث فيه، وقد تقدم في ترجمة عيسى عليه السلام من أحاديث الأنبياء حديث ‏"‏ ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم - وفيه - ويفيض المال ‏"‏ وفي رواية أخرى ‏"‏ حتى لا يقبله أحد ‏"‏ فيحتمل أن يكون المراد، والأول أرجح لأن الذي رواه عدي ثلاثة أشياء أمن الطرق، والاستيلاء على كنوز كسرى، وفقد من يقبل الصدقة من الفقراء‏.‏

فذكر عدي أن الأولين وقعا وشاهدهما وأن الثالث سيقع فكان كذلك لكن بعد موت عدي في زمن عمر بن عبد العزيز، وسببه بسط عمر العدل وإيصال الحقوق لأهلها حتى استغنوا وأما فيض المال الذي يقع في زمن عيسى عليه السلام فسببه كثرة المال وقلة الناس واستشعارهم بقيام الساعة، وبيان ذلك في حديث أبي هريرة الذي بعده‏.‏

قوله ‏(‏حارثة‏)‏ يعني ابن وهب صحابي هذا الحديث‏.‏

قوله ‏(‏أخو عبيد الله بن عمر‏)‏ بالتصغير‏.‏

قوله ‏(‏لأمه‏)‏ هي أم كلثوم بنت جرول بن مالك بن المسيب بن ربيعة بن أصرم الخزاعية ذكرها ابن سعد قال‏:‏ وكان الإسلام فرق بينها وبين عمر‏.‏

قلت‏:‏ وقد تقدم ذكر ذلك في كتاب الشروط في آخر ‏"‏ باب الشروط في الجهاد ‏"‏ وقد أخرج الطبراني من طريق زهير بن معاوية عن أبي إسحاق حدثنا حارثة بن وهب الخزاعي وكانت أمه تحت عمر فولدت له عبيد الله بن عمر قال ‏"‏ صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ يعني في حجة الوداع الحديث، وأصله عند مسلم وأبي داود من رواية زهير، وتقدم للبخاري من طريق شعبة عن أبي إسحاق بدون الزيادة‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ يَكُونُ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ دَعْوَتُهُمَا وَاحِدَةٌ وَحَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثِينَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَحَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ وَهُوَ الْقَتْلُ وَحَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمْ الْمَالُ فَيَفِيضَ حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ الْمَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ وَحَتَّى يَعْرِضَهُ عَلَيْهِ فَيَقُولَ الَّذِي يَعْرِضُهُ عَلَيْهِ لَا أَرَبَ لِي بِهِ وَحَتَّى يَتَطَاوَلَ النَّاسُ فِي الْبُنْيَانِ وَحَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ وَحَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ يَعْنِي آمَنُوا أَجْمَعُونَ فَذَلِكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلَانِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا فَلَا يَتَبَايَعَانِهِ وَلَا يَطْوِيَانِهِ وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ فَلَا يَطْعَمُهُ وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهُوَ يُلِيطُ حَوْضَهُ فَلَا يَسْقِي فِيهِ وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ أُكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ فَلَا يَطْعَمُهَا

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏عن عبد الرحمن‏)‏ هو الأعرج، ووقع في رواية الطبراني لهذه النسخة ‏"‏ عن الأعرج ‏"‏ وكذا تقدم في الاستسقاء بعض هذا الحديث بهذا الإسناد وفيه ‏"‏ عن عبد الرحمن الأعرج‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان‏)‏ الحديث ‏"‏ وحتى يبعث دجالون ‏"‏ الحديث ‏"‏ وحتى يقبض العلم إلخ ‏"‏ هكذا ساق هذه الأشراط السبعة مساق الحديث الواحد هنا، وأورده البيهقي في البعث من طريق شعيب بن أبي حمزة عن أبيه فقال في كل واحد منها ‏"‏ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ ثم قال‏:‏ أخرج البخاري هذه الأحاديث السبعة عن أبي اليمان عن شعيب‏.‏

قلت، فسماها سبعة مع أن في بعضها أكثر من واحد كقوله ‏"‏ حتى يقبض العلم وتكثر الزلازل ويتقارب الزمان وتظهر الفتن ويكثر الهرج ‏"‏ فإذا فصلت زادت على العشرة، وقد أفرد البخاري من هذه النسخة حديث قبض العلم فساقه كالذي هنا في كتاب الاستسقاء ثم قال ‏"‏ وحتى يكثر فيكم المال فيفيض ‏"‏ اقتصر على هذا القدر منه، ثم ساقه في كتاب الزكاة بتمامه، وذكر في علامات النبوة بهذا السند حديث ‏"‏ لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما نعالهم الشعر ‏"‏ الحديث وفيه أشياء غير ذلك من هذا النمط، وهذه المذكورات وأمثالها مما أخبر صلى الله عليه وسلم بأنه سيقع بعد قبل أن تقوم الساعة، لكنه على أقسام‏:‏ أحدها ما وقع على وفق ما قال، والثاني ما وقعت مباديه ولم يستحكم، والثالث ما لم يقع منه شيء ولكنه سيقع، فالنمط الأول تقدم معظمه في علامات النبوة، وقد استوفى البيهقي في ‏"‏ الدلائل ‏"‏ ما ورد من ذلك بالأسانيد المقبولة، والمذكور منه هنا اقتتال الفئتين العظيمتين وظهور الفتن وكثرة الهرج وتطاول الناس في البنيان وتمنى بعض الناس الموت وقتال الترك وتمنى رؤيته صلى الله عليه وسلم ومما ورد منه حديث المقبري عن أبي هريرة أيضا ‏"‏ لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها ‏"‏ الحديث وسيأتي في الاعتصام، وله شواهد، ومن النمط الثاني تقارب الزمان وكثرة الزلازل وخروج الدجالين الكذابين، وقد تقدمت الإشارة في شرح حديث أبي موسى في أوائل كتاب الفتن إلى ما ورد في معنى تقارب الزمان، ووقع في حديث أبي موسى عند الطبراني ‏"‏ يتقارب الزمان وتنقص السنون والثمرات ‏"‏ وتقدم في ‏"‏ باب ظهور الفتن‏"‏‏.‏

‏"‏ ويلقى الشح ‏"‏ ومنها حديث ابن مسعود ‏"‏ لا تقوم الساعة حتى لا يقسم ميراث ولا يفرح بغنيمة ‏"‏ أخرجه مسلم، وحديث حذيفة بن أسيد الذي نبهت عليه آنفا لا ينافي أن قبل الساعة يقع عشر آيات فذكر منها ‏"‏ وثلاثة خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب ‏"‏ أخرجه مسلم، وذكر منها الدخان وقد اختلف فيه وتقدم ذلك في حديث ابن مسعود في سورة الدخان، وقد أخرج أحمد وأبو يعلى والطبراني من حديث صحارى بضم الصاد وتخفيف الحاء المهملتين حديث ‏"‏ لا تقوم الساعة حتى يخسف بقبائل من العرب ‏"‏ الحديث، وقد وجد الخسف في مواضع، ولكن يحتمل أن يكون المراد بالخسوف الثلاثة قدرا زائدا على ما وجد كان يكون أعظم منه مكانا أو قدرا وحديث ابن مسعود ‏"‏ لا تقوم الساعة حتى يسود كل قبيلة منافقوها ‏"‏ أخرجه الطبراني، وفي لفظ ‏"‏ رذالها ‏"‏ وأخرج البزار عن أبي بكرة نحوه، وعند الترمذي من حديث أبي هريرة ‏"‏ وكان زعيم القوم أرذلهم وساد القبيلة فاسقهم ‏"‏ وقد تقدم في كتاب العلم حديث أبي هريرة ‏"‏ إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة ‏"‏ وحديث ابن مسعود ‏"‏ لا تقوم الساعة حتى يكون الولد غيظا، والمطر قيظا، وتفيض الأيام فيضا ‏"‏ أخرجه الطبراني‏.‏

وعن أم الضراب مثله وزاد ‏"‏ ويجترئ الصغير على الكبير واللئيم على الكريم ويخرب عمران الدنيا ويعمر خرابها ‏"‏ ومن النمط الثالث طلوع الشمس من مغربها؛ وقد تقدم من طرق أخرى عن أبي هريرة، وفي بدء الخلق من حديث أبي ذر وحديث ‏"‏ لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر ‏"‏ الحديث أخرجه مسلم من رواية سهيل بن أبي صالح عن أبي هريرة، وقد تقدم في علامات النبوة من رواية أبي زرعة عن أبي هريرة، واتفقا عليه من حديث الزهري عن سالم عن ابن عمر، ومضى شرحه في علامات النبوة وأن ذلك يقع قبل الدجال كما ورد في حديث سمرة عند الطبراني، وحديث أنس ‏"‏ أن أمام الدجال سنون خداعات يكذب فيها الصادق ويصدق فيها الكاذب ويخون فيها الأمين ويؤتمن فيها الخائن ويتكلم فيها الرويبضة ‏"‏ الحديث أخرجه أحمد وأبو يعلى والبزار وسنده جيد، ومثله لابن ماجه من حديث أبي هريرة وفيه ‏"‏ قيل وما الرويبضة‏؟‏ قال الرجل التافه يتكلم في أمر العامة ‏"‏ وحديث سمرة ‏"‏ لا تقوم الساعة حتى تروا أمورا عظاما لم تحدثوا بها أنفسكم ‏"‏ وفي لفظ ‏"‏ يتفاقم شأنها في أنفسكم وتسألون هل كان نبيكم ذكر لكم منها ذكرا ‏"‏ الحديث وفيه ‏"‏ وحتى تروا الجبال تزول عن أماكنها ‏"‏ أخرجه أحمد والطبراني في حديث طويل وأصله عند الترمذي دون المقصود منه هنا، وحديث عبد الله بن عمرو ‏"‏ لا تقوم الساعة حتى يتسافد في الطريق تسافد الحمر ‏"‏ أخرجه البزار والطبراني وصححه ابن حبان والحاكم، ولأبي يعلى عن أبي هريرة ‏"‏ لا تفنى هذه الأمة حتى يقوم الرجل إلى المرأة فيفترشها في الطريق فيكون خيارهم يومئذ من يقول لو واريناها وراء هذا الحائط ‏"‏ وللطبراني في ‏"‏ الأوسط ‏"‏ من حديث أبي ذر نحوه وفيه ‏"‏ يقول أمثلهم لو اعتزلتم الطريق ‏"‏ وفي حديث أبي أمامة عند الطبراني قوله ‏"‏ وحتى تمر المرأة بالقوم فيقوم إليها أحدهم فيرفع بذيلها كما يرفع ذنب النعجة فيقول بعضهم ألا واريتها وراء الحائط، فهو يومئذ فيهم مثل أبي بكر وعمر فيكم ‏"‏ وحديث حذيفة ابن اليمان عند ابن ماجه ‏"‏ يدرس الإسلام كما يدرس وشى الثوب حتى لا يدري ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة، ويبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة ويقولون أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله فنحن نقولها ‏"‏ وحديث أنس ‏"‏ لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض لا إله إلا الله ‏"‏ أخرجه أحمد بسند قوي، وهو عند مسلم بلفظ ‏"‏ الله الله ‏"‏ وله من حديث ابن مسعود ‏"‏ لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس ‏"‏ ولأحمد مثله من حديث علباء السلمي بكسر العين المهملة وسكون اللام بعدها موحدة خفيفة ومد بلفظ ‏"‏ حثالة ‏"‏ بدل ‏"‏ شرار ‏"‏ وقد تقدمت شواهده في ‏"‏ باب إذا بقي حثالة من الناس ‏"‏ وللطبراني من وجه آخر عنه ‏"‏ لا تقوم الساعة على مؤمن ‏"‏ ولأحمد بسند جيد عن عبد الله بن عمر ‏"‏ لا تقوم الساعة حتى يأخذ الله شريطته من أهل الأرض، فيبقى عجاج لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا ‏"‏ وللطيالسي عن أبي هريرة ‏"‏ لا تقوم الساعة حتى يرجع ناس من أمتي إلى الأوثان يعبدونها من دون الله ‏"‏ وقد تقدم حديثه في ذكر ذي الخلصة قريبا، ولابن ماجه من حديث حذيفة ‏"‏ ويبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز يقولون أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله فنحن نقولها ‏"‏ ولمسلم وأحمد من حديث ثوبان ‏"‏ ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان ‏"‏ ولمسلم أيضا عن عائشة ‏"‏ لا تذهب الأيام والليالي حتى تعبد اللات والعزى من دون الله ‏"‏ الحديث وفيه ‏"‏ ثم يبعث الله ريحا طيبة فيتوفى بها كل مؤمن في قلبه مثقال حبة من إيمان فيبقى من لا خير فيه فيرجعون إلى دين آبائهم ‏"‏ وفي حديث حذيفة بن أسيد شاهده وفيه أن ذلك بعد موت عيسى بن مريم ‏"‏ قال البيهقي وغيره‏:‏ الأشراط منها صغار وقد مضى أكثرها ومنها كبار ستأتي‏.‏

قلت‏:‏ وهي التي تضمنها حديث حذيفة بن أسيد عند مسلم وهي الدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها كالحامل المتم ونزول عيسى بن مريم وخروج يأجوج ومأجوج والريح التي تهب بعد موت عيسى فتقبض أرواح المؤمنين ‏"‏ وقد استشكلوا على ذلك حديث ‏"‏ لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله ‏"‏ فإن ظاهر الأول أنه لا يبقى أحد من المؤمنين فضلا عن القائم بالحق، وظاهر الثاني البقاء، ويمكن أن يكون المراد بقوله ‏"‏ أمر الله ‏"‏ هبوب تلك الريح فيكون الظهور قبل هبوبها، فبهذا الجمع يزول الإشكال بتوفيق الله تعالى، فأما بعد هبوبها فلا يبقى إلا الشرار وليس فيهم مؤمن فعليهم تقوم الساعة، وعلى هذا فآخر الآيات المؤذنة بقيام الساعة هبوب تلك الريح، وسأذكر في آخر الباب قول عيسى عليه السلام ‏"‏ إن الساعة حينئذ تكون كالحامل المتم لا يدري أهلها متى تضع‏"‏‏.‏

‏(‏فصل‏)‏ وأما قوله ‏"‏ حتى تقتتل فئتان ‏"‏ الحديث تقدم في كتاب الرقاق أن المراد بالفئتين على ومن معه ومعاوية ومن معه، ويؤخذ من تسميتهم مسلمين ومن قوله دعوتهما واحدة الرد على الخوارج ومن تبعهم في تكفيرهم كلا من الطائفتين، ودل حديث ‏"‏ تقتل عمارا الفئة الباغية ‏"‏ على أن عليا كان المصيب في تلك الحرب لأن أصحاب معاوية قتلوه، وقد أخرج البزار بسند جيد عن زيد بن وهب قال ‏"‏ كنا عند حذيفة فقال‏:‏ كيف أنتم وقد خرج أهل دينكم يضرب بعضهم وجوه بعض بالسيف‏؟‏ قالوا‏.‏

فما تأمرنا‏؟‏ قال‏:‏ انظروا الفرقة التي تدعو إلى أمر علي فالزموها فإنها على الحق ‏"‏ وأخرج يعقوب بن سفيان بسند جيد عن الزهري قال ‏"‏ لما بلغ معاوية غلبة علي على أهل الجمل دعا إلى الطلب بدم عثمان فأجابه أهل الشام فسار إليه علي فالتقيا بصفين‏"‏، وقد ذكر يحيى بن سليمان الجعفي أحد شيوخ البخاري في ‏"‏ كتاب صفين ‏"‏ في تأليفه بسند جيد عن أبي مسلم الخولاني أنه قال لمعاوية‏:‏ أنت تنازع عليا في الخلافة أو أنت مثله‏؟‏ قال‏:‏ لا، وإني لأعلم أنه أفضل مني وأحق بالأمر، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوما وأنا ابن عمه ووليه أطلب بدمه‏؟‏ فأتوا عليا فقولوا له يدفع لنا قتلة عثمان، فأتوه فكلموه فقال‏:‏ يدخل في البيعة ويحاكمهم إلى، فامتنع معاوية فسار علي في الجيوش من العراق حتى نزل بصفين، وسار معاوية حتى نزل هناك وذلك في ذي الحجة سنة ست وثلاثين، فتراسلوا فلم يتم لهم أمر، فوقع القتال إلى أن قتل من الفريقين فيما ذكر ابن أبي خيثمة في تاريخه نحو سبعين ألفا، وقيل كانوا أكثر من ذلك، ويقال كان بينهم أكثر من سبعين زحفا، وقد تقدم في تفسير سورة الفتح ما زادها أحمد وغيره في حديث سهل بن حنيف المذكور هناك من قصة التحكيم بصفين وتشبيه سهل بن حنيف ما وقع لهم بها بما وقع يوم الحديبية‏.‏

وأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي الرضا سمعت عمارا يوم صفين يقول‏:‏ من سره أن يكتنفه الحور العين فليتقدم بين الصفين محتسبا‏.‏

ومن طريق زياد بن الحارث‏:‏ كنت إلى جنب عمار فقال رجل‏:‏ كفر أهل الشام، فقال عمار‏:‏ لا تقولوا ذلك نبينا واحد، ولكنهم قوم حادوا عن الحق فحق علينا أن نقاتلهم حتى يرجعوا‏.‏

وذكر ابن سعد أن عثمان لما قتل وبويع علي أشار ابن عباس عليه أن يقر معاوية على الشام حتى يأخذ له البيعة ثم يفعل فيه ما شاء، فامتنع‏.‏

فبلغ ذلك معاوية فقال‏:‏ والله لا ألى له شيئا أبدا‏.‏

فلما فرغ علي من أهل الجمل أرسل جرير بن عبد الله البجلي إلى معاوية يدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه الناس فامتنع، فأرسل أبا مسلم كما تقدم فلم ينتظم الأمر، وسار علي في الجنود إلى جهة معاوية فالتقيا بصفين في العشر الأول من المحرم وأول ما اقتتلوا في غرة صفر، فلما كاد أهل الشام أن يغلبوا رفعوا المصاحف بمشورة عمرو بن العاص ودعوا إلى ما فيها، فآل الأمر إلى الحكمين فجرى ما جرى من اختلافهما واستبداد معاوية بملك الشام واشتغال علي بالخوارج وعند أحمد من طريق حبيب بن أبي ثابت‏:‏ أتيت أبا وائل فقال‏:‏ كنا بصفين، فلما استحر القتل بأهل الشام قال عمرو لمعاوية أرسل إلى علي المصحف فادعه إلى كتاب الله فإنه لا يأبى عليك، فجاء به رجل فقال‏:‏ بيننا وبينكم كتاب الله ‏(‏ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون‏)‏ فقال علي نعم أنا أولى بذلك، فقال القراء الذين صاروا بعد ذلك خوارج‏:‏ يا أمير المؤمنين ما ننظر بهؤلاء القوم، ألا نمشي عليهم بسيوفنا حتى يحكم الله بيننا‏؟‏ فقال سهل بن حنيف يا أيها الناس اتهموا أنفسكم فقد رأيتنا يوم الحديبية، فذكر قصة الصلح مع المشركين، وقد تقدم بيان ذلك من هذا الوجه عن سهل بن حنيف، وقد أشرت إلى قصة التحكيم في ‏"‏ باب قتل الخوارج والملحدين ‏"‏ من كتاب استتابة المرتدين‏.‏

وقد أخرج ابن عساكر في ترجمة معاوية من طريق ابن منده ثم من طريق أبي القاسم ابن أخي أبي زرعة الرازي قال‏:‏ جاء رجل إلى عمي فقال له إني أبغض معاوية، قال له لم‏؟‏ قال لأنه قاتل عليا بغير حق؛ فقال له أبو زرعة‏:‏ رب معاوية رب رحيم وخصم معاوية خصم كريم فما دخولك بينهما‏؟‏ قوله ‏(‏وحتى يبعث دجالون‏)‏ جمع دجال، وسيأتي تفسيره في الباب الذي بعده، والمراد ببعثهم إظهارهم، لا البعث بمعنى الرسالة‏.‏

ويستفاد منه أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى وأن جميع الأمور بتقديره‏.‏

قوله ‏(‏قريب من ثلاثين‏)‏ وقع في بعض الأحاديث بالجزم، وفي بعضها بزيادة على ذلك وفي بعضها بتحرير ذلك، فأما الجزم ففي حديث ثوبان ‏"‏ وأنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي ‏"‏ أخرجه أبو داود والترمذي وصححه ابن حبان وهو طرف من حديث أخرجه مسلم ولم يسق جميعه، ولأحمد وأبي يعلى من حديث عبد الله بن عمرو ‏"‏ بين يدي الساعة ثلاثون دجالا كذابا ‏"‏ وفي حديث علي عند أحمد ونحوه وفي حديث ابن مسعود عند الطبراني نحوه وفي حديث سمرة المصدر أوله بالكسوف وفيه ‏"‏ ولا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابا آخرهم الأعور الدجال ‏"‏ أخرجه أحمد والطبراني، وأصله عند الترمذي وصححه، وفي حديث ابن الزبير ‏"‏ إن بين يدي الساعة ثلاثين كذابا منهم الأسود العنسي صاحب صنعاء وصاحب اليمامة يعني مسيلمة‏.‏

قلت‏:‏ وخرج في زمن أبي بكر طليحة بالتصغير ابن خويلد وادعى النبوة ثم تاب ورجع إلى الإسلام، وتنبأت أيضا سجاح ثم تزوجها مسيلمة ثم رجعت بعده، وأما الزيادة ففي لفظ لأحمد وأبي يعلى في حديث عبد الله بن عمرو ثلاثون كذابون أو أكثر قلت‏:‏ ما آيتهم‏؟‏ قال‏:‏ يأتونكم بسنة لم تكونوا عليها يغيرون بها سنتكم، فإذا رأيتموهم فاجتنبوهم ‏"‏ وفي رواية عبد الله بن عمرو عند الطبراني ‏"‏ لا تقوم الساعة حتى يخرج سبعون كذابا ‏"‏ وسندها ضعيف، وعند أبي يعلى من حديث أنس نحوه وسنده ضعيف أيضا، وهو محمول إن ثبت على المبالغة في الكثرة لا على التحديد، وأما التحرير ففيما أخرجه أحمد عن حذيفة بسند جيد ‏"‏ سيكون في أمتي كذابون دجالون سبعة وعشرون منهم أربع نسوة، وإني خاتم النبيين لا نبي بعدي ‏"‏ وهذا يدل على أن رواية الثلاثين بالجزم على طريق جبر الكسر، ويؤيده قوله في حديث الباب ‏"‏ قريب من ثلاثين‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏كلهم يزعم أنه رسول الله‏)‏ ظاهر في أن كلا منهم يدعي النبوة، وهذا هو السر في قوله في آخر الحديث الماضي ‏"‏ وإني خاتم النبيين ‏"‏ ويحتمل أن يكون الذين يدعون النبوة منهم ما ذكر من الثلاثين أو نحوها وأن من زاد على العدد المذكور يكون كذابا فقط لكن يدعو إلى الضلالة كغلاة الرافضة والباطنية وأهل الوحدة والحلولية وسائر الفرق الدعاة إلى ما يعلم بالضرورة أنه خلاف ما جاء به محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويؤيده أن في حديث علي عند أحمد ‏"‏ فقال علي لعبد الله بن الكواء‏:‏ وإنك لمنهم ‏"‏ وابن الكواء لم يدع النبوة وإنما كان يغلو في الرفض‏.‏

قوله ‏(‏وحتى يقبض العلم‏)‏ تقدم في كتاب العلم ويأتي أيضا في ‏"‏ كتاب الأحكام‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏وتكثر الزلازل‏)‏ قد وقع في كثير من البلاد الشمالية والشرقية والغربية كثير من الزلازل ولكن الذي يظهر أن المراد بكثرتها شمولها ودوامها، وقد وقع في حديث سلمة بن نفيل عند أحمد ‏"‏ وبين يدي الساعة سنوات الزلازل ‏"‏ وله عن أبي سعيد ‏"‏ تكثر الصواعق عند اقتراب الساعة‏"‏‏.‏